ماذا ينفع «الندم» !

كلما ابتعدت المسافة عن شهر رمضان تصبح المسلسلات الدرامية ذات قيمة أكبر، لأن الجمهور أعطاها علامة الفوز، وتركت في المجتمع الصدى الذي تستحقه دراما شديدة العمق واضحة الهدف، لا مشاهد تطويل فيها ولا حلقات زعيق فارغ، فاستحقت المشاهدة.

«الندم» من تلك المسلسلات، حيث أعطاه كل من شاهده علامة الامتياز نظراً لطاقته التعبيرية الاستثنائية عن الوضع في سوريا بين زمنين.. زمن البرجوازية الوطنية ذات القيم التقليدية وكيفية انزياحها لصالح محدثي النعمة طبقة الـ«نوفوريش»، وكان هذا الجزء من المسلسل ملوناً، بينما كان الزمن الثاني زمناً بلا ألوان، في دلالة واضحة لما آلت إليه الأمور في سوريا، مع إسقاطات واضحة على الفساد والظلم والترهيب الذي بات يحكم المجتمع.

يحكي المسلسل قصة كاتب في الأربعين من عمره «عروة»، يبدأ حكايته في ليلة سقوط بغداد، ليستعرض من خلالها أحداثاً تاريخية ومنعطفات سياسية منذ عام 2003 وحتى الآن، فهو ابن عائلة ثرية، والده تاجر اللحوم «إبراهيم الغول» الذي يمثل البرجوازية التقليدية، متدين، متسلط، يفقد زوجته، ثم تعتل صحته فيسلم كل تجارته لبكره «عبدو» الذي يمثل البرجوازية الجديدة المتسلقة والمتحالفة مع السلطة الأمنية.

وعلى خلفية الحرب الدائرة بين عدة أطراف في سوريا، تنهض علاقات اجتماعية وعاطفية تنتهي بفواجع مثل اعتقال «هشام» خطيب «ندى» ابنة إبراهيم الغول بتهمة التجسس، ووفاة «هناء» زوجة عروة بآفة قلبية، فضلاً عن طرد «سهيل» من حظيرة العائلة، واستيلاء عبدو على ميراث والده.

لأول مرة في تاريخ الدراما السورية، يأتي مسلسل من قلب دمشق يقف على مسافة من الموت السوري، دون الانتساب إلى جهة ضد أخرى، لكنه من وجهة نظر أخلاقية يُحمّل الفساد في مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية التي تبطش بالناس، ما آلت إليه الأمور، لتصبح الحياة فيلماً طويلاً بلا ألوان. ولا يغفل المسلسل حالة الفقر التي تتلخص بطبقة عبدو وأمثاله التي تعمل بلا قيم أو انتماء لرفعة مصالحها، وإلى ذلك ينضح المسلسل بالرموز والدلالات الواضحة وإسقاطاتها، في رسائل يلتقطها المشاهد، فلا ينفك عن المتابعة حلقة تلو الأخرى.

نعم إنه الندم يا سوريا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات