ناس الأرصفة

تعيش فرنسا على الرصيف، البيوت الصغيرة لاستراحة سريعة أو لسرير ضيق ومن ثم العودة للشارع قبل أن يفوتهم شيء، لذلك تكثر المقاهي والمطاعم على الأرصفة، ولا تكاد تخلو زاوية مبنى من مقهى مطل على جانبي الشارع، وهي طريقة استثمارية قديمة يعرفها أبناء حرفة المقاهي لأنها تكسب المزيد من الرواد.

في الوقت الذي كان الناس يعيشون بهجة الألعاب النارية في نيس، ويهتفون لبريق الألوان احتفالاً باليوم الوطني كانت نار الحقد تغلي في عروق جلاد مختل فراح يدهس الناس بشاحنة ثقيلة، وهو مدرك كم من الأبرياء الذين قضوا تحت عجلات آلة موته.

فن العيش على الأرصفة مألوف في فرنسا وكثيراً ما يحتاج المرء إلى أيام تليها أيام حتى يدرك سر المكان الذي يطوف به أو يحمل العالم إليه، لقد اعتاد السائح أن يتناول طعامه على الرصيف وبقربه يعبر السابلة، أو أن يحتسي قهوته على مقعد صغير وثمة طيور تقاسمه فتات قطعة البسكويت دون خوف، السياح والطيور وجهان لعملة الصداقة.

في الثالث عشر من نوفمبر الماضي كان رواد مقهى «لو كاريون» ومطعم «بوتي كامبودج» ومقهى «ألا بون بيير» ومطعم «لا بل إكيب» في باريس ضحايا هجوم إرهابي راح ضحيته العشرات، حيث أطلق مسلحون النار على رواد تلك الأماكن، وكان القاسم المشترك بين جميع الضحايا هو أنهم كانوا يشغلون الطاولات على الأرصفة.

لقد باتت الحياة على الأرصفة مصدر خطر، خطر ألاّ يستطيع المرء أن يستنشق الهواء خارج شقته أو ألاّ يأمن التنزه قرب مسكنه، وكأنه تلقى الرسالة التي أرسلها له الإرهابيون ممهورة بالرعب، وهذا طموح لطالما سعت إليه منظمات القتل أن يشل الخوف حركة المجتمعات..

ترى هل شلَّ الخوف الناس وركنوا إلى بيوتهم يائسين؟

المشاهد التي يلتقطها المرء للناس على الأرصفة تؤكد عكس ذلك..

حقاً الحياة أقوى من الموت.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات