حبر التنوير

في وقت تتراجع فيه الاهتمامات بالصحافة الورقية، وتذهب صحف ومؤسسات عريقة نحو العالم الافتراضي أو نحو الماضي، يتذكر المرء ما كانت تمثله صحف مطلع القرن العشرين من قيمة فكرية واجتماعية، لأنها واكبت عصر التنوير، ونقلت للقارئ عالماً من التطور الذي تلقته المنطقة بعقل متعطش للمعرفة.

مناسبة الحديث هو عن مجلة كانت تشكل للقارئ آنذاك، فسحة للاطلاع على أفكار الآخرين بإسهاب، وتحتضن معاركهم الفكرية التي ساهمت في نقل المعرفة من مستوى لآخر، فقد صدر مؤخراً كتاب بعنوان (دفاتر من أقلام الأعلام ـ مجلة الحديث الحلبية 1927 ـ 1959) للناقد محمد شاهين عن (المؤسسة العربية للدراسات والنشر).

يجمع محمد شاهين مقالات ونصوصاً ودراسات كانت نشرتها مجلة «الحديث» الحلبية في الثلث الثاني من القرن الماضي، والسبب في ذلك، أن جلّ هذه المقالات ظلّ بعيداً عن التداول، خاصة معارك طه حسين، فقد كانت تصدر في حلب مجلات عديدة خلال النصف الأول من القرن العشرين، وأبرزها:

مجلة «الحديث»، وهي مجلة أدبية اجتماعية، كان يرأس تحريرها الأديب سامي الكيالي «القربان»، ويشرف عليها الأب أغناطيوس سعد الماروني «السنابل» و«الشهباء» و«الضاد» لصاحبها عبد الله يوركي حلاق، ولا تزال مستمرة حتى اليوم، إلى جانب «اليقظة» و«اللواء» لصاحبها فيكتور كالوس.. وغيرها من الصحف والمجلات.

يذكر المؤرخون أن أول مطبعة في المنطقة بأحرف عربية، كانت في عام 1702 م، جلبها البطريرك إثناسيوس الدباس من رومانيا. وصنع حروفها عبد الله زاخر الحلبي، فطبعت فيها بعض الكتب الدينية، وفي عام 1858 م، تأسست المطبعة المارونية التي أدخلها المطران يوسف مطر، حيث بدأت طبع مقالات المفكرين، أمثال: فرنسيس المراش ونصر الله دلال. إضافة إلى شيخ الصحافة العربية رزق الله حسون، الذي أسس جريدة «مرآة الأحوال» عام 1855 م.

علينا أن نتذكر وصحافة هذه الأيام تتراجع، أن تلك الأوراق الصغيرة والأحرف الغارقة بالحبر، حملت أفكار التنوير مطلع القرن الماضي، التنوير الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت آخر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات