لغة من شجن

بعض الكتب تدعوك إلى قراءتها ثانية، ليس لأنه لا كتب جديدة لديك، بل لأن تلك الكتب تحتفظ بطاقتها الوجدانية كلما مر من قربها الزمن صقلها وأعادها إلى توهجها، وخاصة كتب الشعر التي تمضي كسفينة في بحر من الكتابة، قليلها شعر عذب وكثيرها كلام من مألوف القول.

من تلك الكتب مجموعة الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط (الفرح ليس مهنتي) التي صدرت في دمشق العام 1970، بمقدمة كتبتها زوجته الشاعرة الراحلة سنية صالح بلغة مليئة بالشجن، مدركة أن مقدمة دواوين الشعر لا ترفع من قيمة الشعر أو الشاعر إن لم يكن النص حاملاً روحه يهبها لكل قارئ مخلص.

قراء الماغوط مخلصون لشعره، ساخر ومشاكس وخائف ويائس ومواسٍ وحنون، خليط من مشاعر عالية في نص واحد، ولطالما أحسسنا كقراء بنصوص الماغوط قبل قراءتها، لأنها نحن على الورق..

من يقرأ الماغوط اليوم، يبحث عن نفسه بين السطور، فهو بطل هنا أو شاهد هناك، أو ضحية في مكان ما، لكنه لن يكون جلاداً في أي مكان. الجلادون لا يقرؤون الشعر، ولا يحبون الشعراء.. وكثيراً ما وجد الشاعر نفسه في سطور آهات وصرخات المكلومين، في زفرات الحزن، في نظرة منكسرة، أو أنة خافتة حياءً أو يأساً.

كلما عاد المرء إلى كتاب مؤثر في حياته، شعر بالقوة أكثر، لأن الزمن كشف عن أقران له يحرسون مشاعره، ويمنحونه أسباب صلابته، تلك هي كلمات الشاعر التي لا تموت، كلمات بحجم حزن الماغوط الذي ترك خلفه شعراً: (حزن في ضوء القمر) و(غرفة بملايين الجدران) و(الفرح ليس مهنتي). ناهيك عن مئات المقالات وغيرها من المسرحيات، ورواية يتيمة، وفوقها ملايين المشاعر والأحاسيس التي لا يمكن وصفها أو تجاهلها.. كتاب واحد يحدث فرقاً كبيراً في حياتك.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات