عندما بدأ الاحتفال

منتصف سبعينات القرن الماضي، عندما كنت يافعاً وقد بدأ وعيي يتشكل تجاه المشهد الاجتماعي في حلب، تلك المدينة التي يتداخل نسيجها العرقي والديني بطريقة تدهش علماء الاجتماع، كنت أعبر أمام واجهات المحال التجارية متفحصاً رسومات لشجرة الميلاد تحيطها آيائل وأجراس وثمة كرات قطن نثرت تحتها مكونة مشهداً ثلجياً موحياً.

في واجهات أخرى لمتاجر راقية، كانت أرقام العام الماضي مكسرة ومرمية على الأرض، بينما أرقام العام الجديد تبدو لامعة في دلالة واضحة على نهاية عام وبداية آخر، كان مشهداً مدهشاً متقارباً في فلسفته، حيث لم يكن الشرخ الاجتماعي قد بدأ يضرب المجتمعات العربية بعد، وكان من الصعب أن تفرز أصحاب تلك المتاجر دينياً، فلا شيء يدل على انتماءاتهم العقائدية. وذلك مثل مدن عربية كثيرة، إذ تتشابه المشاهد وتتقارب وتتناغم من دون تشابك، وكأن الشرق كان يضرب مثالاً للتعايش السلمي القائم على الصيغ الاجتماعية والتقبل والتسامح، الذي بات اليوم معكوساً وباهتاً في محتواه، شرق متخلف تتحكم فيه عقول الظلام وتدمر قيمه التي عمرها آلاف السنين.

عندما أتذكر تلك السنوات البعيدة، أقف عاجزاً عن فهم ما يجري اليوم، كيف كنا أكثر وعياً وتحضراً.. وكيف أصبحنا أكثر تخلفاً وتراجعاً، أقف عاجزاً أمام مشاريع التنمية التي لم تحقق هدفاً من أهدافها، وأفغر فمي أمام شعارات الأمة العظيمة التي لم نعرف عنها سوى ما دونته الكتب، ودهشتي تتسع أمام الحالمين بغدٍ مشرق دون أن يملكوا سيئاً من مفاتيحه.

في تلك السنوات كان الحلم له مقوماته ودوافعه، لكنه اليوم حلم مجهض لا أمل فيه سوى تلك الاستعراضات الفارغة والمفاخر المنسوبة لأجداد تبدو صلتهم بنا شديدة البعد، ويبدو اللحاق بمآثرهم ضرباً من المستحيل.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات