أسئلة كثيرة متكررة بشأن المسؤول عن تجذره.. ولا جواب

الفتور القرائي.. وحدة الكتب وحيرة الأدباء

يعاني المشهد الثقافي المصري، خاصة خلال العامين الأخيرين، من حالة فتور وتراجع شديدين في معدلات القراءة؛ انعكست سلباً على عشرات -بل مئات- من العناوين التي تصدر سنوياً ولا يجد كثيرٌ منها صدى في بلد يعاني 40% من سكانه من الأمية، فضلاً عن الأميّة الثقافية، بحسب تأكيدات وزير الثقافة المصري الحالي، حلمي النمنم.

«البيان» تبحث في القضية مفتشة عن جوانبها ومتشائلة: لمن يكتب الكُتّاب؟ وما تفسيرهم لحالة الفتور القرائي؟ وهل يمكن للغة المستخدمة أن تكون عاملًا لهذا الفتور والعزوف؟

«تعتبر اللغةُ الوسيطَ الأدبي الذي ينقل فكر الكاتب وما يتضمنه من أفكار ومشاعر يجسدها عبر أوراق كتابه، ومن ثم يتعايش معها القارئ؛ وبالتالي هي عصب الأدب وما يعبر عنه، كما أنها سلاح الكاتب لتوجيه قارئه».

بهذه الكلمات بدأ الروائي عزت القمحاوي حديثه، موضحا أنه على الرغم من ذلك فإن مستويات القراءة تعتمد على عدة عوامل ولا يمكن حصرها في اللغة المعقدة التي تعتمدها بعض الكتب وتستقطب جمهورا خاصا يحبها ويقرؤها دون كلل أو ملل.

مسؤولية القارئ

ويقول القمحاوي: القول بأن بعض الكتاب يعتمدون أسلوبا معقدا في كتاباتهم أمر متفاوت من كاتب إلى آخر ومن متلقٍ إلى آخر، ولا يمكن توجيه اللوم في حالة العزوف القرائي إلى الكُتّاب واللغة التي يستخدمونها بقدر ما تعود مسؤولية ذلك إلى ثقافة المتلقي وحصيلته اللغوية.

وشدد على أن تردي مستوى التعليم في مصر أثَّر بصورة كبيرة على ثقافة المواطن، وبالتالي تراجع حرصه على القراءة والثقافة بصفة عامة.

وفي الوقت ذاته تخاذلت المؤسسات الصحافية والإعلامية عن القيام بدورها التنويري للقارئ والمشاهد؛ ما انعكس سلبيا وتسبب في حالة التراجع الكبيرة في معدلات القراءة، وبالطبع لا يمكن غض الطرف عن وجود إهمال كبير من الجهات الرسمية في الاهتمام بالجانب الثقافي للمواطنين في ظل الأزمات الطاحنة التي تعاني منها الدولة في السنوات الأخيرة.

ويؤكد القمحاوي أن القراءة لها مستويات عديدة، تبدأ مع الكتب الخفيفة التي لها جمهورها لينتقل فيما بعد إلى الكتب العميقة والأدبيات الرصينة.

ويعتبر أن المرحلة الحالية هي مرحلة الكتاب الخفيف، الذي لا يعتمد على بلاغة أو أدبيات استعارية وشاعرية كما في السابق؛ وذلك لغياب وعي القارئ الثقافي، فضلًا عن غياب وعي بعض الكتاب أنفسهم عن أدبيات اللغة، واللجوء إلى اللغة السهلة.

حبكة وانتقائية

تشير الكاتبة سعاد سليمان، إلى أن الذوق العام للقارئ المصري تغير خلال العقود الماضية، إذ لم تعد اللغةُ العميقةُ البطلَ الأول لديه أو هدفه للقراءة؛ بل تلعب الحبكة دورا كبيرا في توجهه للقراءة.

وتنفي سعاد وجود حالة فتور وعزوف كليّ عن القراءة، مؤكدة أن القراء باتوا انتقائيين في التعامل مع ما يقرؤون؛ فأصبح كثير من القراء -خاصة جيل الشباب- يقبلون على قصص الحب وحكايات الرعب، وفي الوقت ذاته تراجع الأدب العميق ذو اللغة الشاعرية فرغم وجود بعض محبي هذا اللون إلا أن الغالبية الآن تتجه إلى الكتب الخفيفة «الاستهلاكية» أكثر من الكتابات الرصينة، التي كانت رائجة في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت.

وأكدت أن هناك تنوعا وثراءً في ما يقدم للقارئ الآن من خلال مستويات مختلفة، وهو ما يسمح بإمتاع ذائقة القراء التي باتت مختلفة عن الحال في الأمس. كما تلفت إلى نقطة أخرى: غالبية الكتب التي يقرؤها المتلقون حاليا تدور في فلك الرواية.

وهي للأسف تباع بأسعار باهظة في المكتبات؛ ولهذا يجري توفيرها بنسخ مزيفة بأسعار بسيطة تسمح للقارئ بشرائها، وهو ما ضر الكتب الخفيفة بصورة أكبر.. وألحق الضرر الاكبر بالكتب الرصينة.

نقطة التقاء

يرى رائد أدب الطفل يعقوب الشاروني أن اعتماد التعقيد في اللغة ما هو إلا استعراض لملكات الأديب اللغوية، مؤكدا أن قوة الأدب لا تقاس بالاستعارات والملكات البلاغية بالنص بقدر ما تقاس بقدرة الكاتب على توظيف حصيلته اللغوية والأدبية في خدمة الفكرة. ويوضح أن الكاتب عليه أن يحتوي الفكرة التي يريد طرحها ويعتمد على ما لديه من حصيلة لغوية وخلفية عن مستوى القارئ الذي يكتب له.

ومن هنا يستطيع الوصول إلى نقطة التقاء مع القارئ المراد الوصول إليه..كما أن الكاتب الماهر هو الذي يقدم وجبته الأدبية باللغة التي تصل إلى جميع القراء ولا يعتمد التعالي في لغته الأدبية؛ لأن القارئ يأنف هذه النوعية من الكتاب الذين يتسامون على جمهورهم.

ويستعين الشاروني بمضمون تجربته في أدب الأطفال قائلا: كتابتي للأطفال أرهقتني في الاستعانة بالكلمات والمرادفات التي أستطيع من خلالها الوصول إلى عالمهم من دون إحداث فجوة فيما بين تفكيري وتفكيرهم الذي مازال في طور التكوين، ومن هنا أرى أن الكاتب المتميز هو من يطوع أدبه في خدمه مهمته، وليس العكس، بأن يعتبر أن المتلقي هو المذنب لعدم فهمه ما قدمه له من أدب.

لغة العصر

يشدد الناقد د.صلاح الراوي، على أن الأدب الذي يعتمد على لغة عميقة لا يمكن اعتباره الدافع لعزوف الجمهور عن القراءة بصورة قاطعة؛ بل إن لهذه الكتب جمهورا خاصا يلجأ إليها ويفضلها عن غيرها من الكتابات التي تتسم بقدر من السطحية.

ويلفت إلى أن أدب نجيب محفوظ أو طه حسين وغيرهما من رموز الأدب العربي، لا يمكن القول بعزوف القراء عنه لمجرد أنه يتسم بالعمق والرصانة والتكثيف البلاغي، فتلك الكتابات تستهوي البعض، كما أنها تمثل مستوى خاصا في القراءة، ولا أعتقد أن القارئ المبتدئ سيتجه إلى هذه الأعمال الرصينة؛ بل عليه أن يمر بالمراحل التدريجية لبلوغ قراءة هذه الأدبيات.

ويلفت الراوي إلى نقطة أخرى: من خلال تجربتي الخاصة ومشاهدتي لوسائل التواصل الاجتماعي أجد أن القارئ المعاصر الغارق في وسائل التواصل الاجتماعي، يفضل القراءة لمن هم حوله من كتاب ويستطيع التواصل معهم، فالكتاب الحاليون والمعاصرون الذين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي هم الأكثر حضورا في مبيعات الكتب بصورة أكبر بكثير من الكتاب التقليديين.

ويتابع: إلا أن القراء المعاصرين ذوو ذوق مختلف عن الأجيال السابقة، فالسرعة التي يتميز بها العصر أثَّرت على توجهات القارئ، فأصبحت كتب الجريمة والإثارة والتشويق والغموض هي الأكثر مبيعا وارتباطا بالقارئ، فيما لم تعد الكتب الرصينة لغويا تستحوذ على قدر كبير من اهتمام أغلب القراء، رغم وجود جمهور لها؛ لكن هذا الجمهور يمتاز بالنضج اللغوي والمعرفي بصورة أكبر.

ويؤكد الراوي أن القارئ كالطفل الذي يبدأ التعلم من خلال الحروف، ومن ثم الكلمات، وبعدها الجمل وهكذا؛ معتبرا أن القارئ المعاصر لا يزال في مرحلة القراءة الخفيفة التي يترجمها البعض باعتبارها عزوفا كاملا عن الكتب العميقة التي تمتاز باللغة والبلاغة القوية.

حلقة وصل

أما الناقد د.صلاح فضل، فيرى أن اللغة ليست استعراض عضلات للكاتب بقدر ما هي حلقة وصل ما بين الكاتب والقارئ، موضحا أن اللغة هي التي تشكل الأدب الذي يقدمه المبدع إلى قارئه، ومن ثم عليه أن يعتمد على لغة وسطية لا يكثر فيها من اللغويات البلاغية بصورة كبيرة؛ لأن القراء لا يحبذون الكاتب المترفع عن الواقع ويعزل نفسه عنهم ويعيش في قلعة حصينة دون الاكتراث بما يقدمه للجمهور على اعتبار أنه أدب قيم.

ويشير فضل إلى أن الأدب القيم لا بد أن يصل إلى الجمهور بصورة يفهمها، وفي الوقت ذاته، من الطبيعي أن يكون هناك قدر من التناغم في اللغة التي على الكاتب استخدامها للتواصل مع القارئ؛ فلا يمكن استخدام لغة رديئة بحجة التواصل مع القارئ.

ويتابع: الأدب يعتمد في جوهره على اللغة، وسبق أن استخدم توفيق الحكيم اللغة الثالثة، وكذلك نجيب محفوظ الذي قدم لغة تمزج بين الفصحى والعامية، وهؤلاء المبدعون الكبار لم يطيحوا بجماليات اللغة بقدر ما بسَّطوها حتى تتلاءم مع ما يقدمونه من طرح، وكذلك تتناغم مع ثقافة ووعي القارئ الذي يخاطبونه.

لغة الحكيم

يعتبر النقاد أن أفضل تجارب اللغة والكتابة الأدبية الموفقة في لغتها واستقطابها للقراء، تجسدت وبدت في إبداعات الكاتب والمفكر توفيق الحكيم؛ إذ برع في تقديم لغة موازية استخدم فيها جماليات اللغة العربية الفصيحة بجوار مرادفات العامية المنتشرة.

وأعاد كثيرون نجاح هذه اللغة التي تمزج الفصحى بالعامية إلى قدرة الحكيم على انتقاء المرادفات بينهما، وقدم الحكيم لهذه اللغة التي ابتكرها فصلا خاصا في مسرحيته التي جاءت بعنوان «الصفقة».

قراء معاصرون يعتمدون كتباً «مزورة»

تعتمد غالبية القراء المعاصرين على شراء الكتب المزورة أو الطبعات الشعبية للكتب التي يرغبون في اقتنائها وقراءتها. وبحسب الإحصاءات، فإن النسبة الأكبر من الروايات المعاصرة باتت تباع خارج المكتبات الرسمية أكثر من ما تباع داخلها.

وعلى سبيل المثال، تأتي رواية «هيبتا» الصادرة عن «رواق» للنشر والتوزيع في عام 2014 للكاتب محمد صادق، ضمن الكتب التي حققت نجاحا كبيرا في السوق المصرية؛ حتى انها بيعت خارج سوق المكتبات بما يجاوز مليون نسخة، وهي نسبة كبيرة تعكس اهتمام القراء بالكتب.

عناوين غير تقليدية وأسلوب قرائي يميز بين جيلين

يتفق عدد كبير من الباحثين على اختلاف الذائقة العامة للقارئ، فما يقرؤه الجيل المعاصر يختلف كثيرا عن الأجيال السابقة، ويرجع ذلك إلى التكنولوجيا والبعد السريع الذي يمتاز به العصر الحالي، الذي تتسم كتاباته بالتشويق والغموض؛ لذا نجد العناوين التي ينتقيها الكتاب لكتبهم تعتمد على عنصر الجذب بالدرجة الأولى، وليس التعبير عن مضمون الكتاب كما كان في السابق.

وكما يقول المثل المصري «الكتاب يظهر من عنوانه» فإن العنوان يمثل عنصرا مهما للترويج للكتاب، وتعتمد دور النشر على عناوين مثيرة تجذب القارئ؛ لهذا يندرج العنوان ضمن صناعة الإعلانات، وبحسب ديفيد أوجليفي -المعروف بأنه الأب الروحي للإعلانات-.

فإن متوسط عدد من يقرؤون العنوان أكثر من خمسة أضعاف ممن يقرؤون بقية الإعلان؛ أي ان نسبة 80 بالمائة من الإعلان في عنوانه هو كعامل للجذب، وهكذا أصبح التعامل مع عناوين الكتب يكتسب أهمية كبيرة في جذب القراء. ولا يخفى على الباحث المتعمق، أن الكثير من دور النشر غدا يعتمد على العناوين الجاذبة والرنانة، ليسوق لكتبه ويروج لأحد الكتاب، ذلك دون أن يولي المضمون القيمة الاعتبارية الأولى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات