قصيدة النثر جماليات يأسرها جدل «اللا انتماء» الشعري

صورة

«قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور... خلق حرّاً، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجًا عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية»، هكذا تصف الناقدة الفرنسية سوزان برنار قصيدة النثر، التي وجد فيها كثير من شعراء العصر الحديث ملاذًا من تقلبات العمودي والموزون، وبعيدًا عن قوافيه وقواعده المحكمة. وعلى الرغم من النجاح الذي حققته قصيدة النثر، لا تزال الحروب مستعرة بين الشعراء، في ظل تأكيدات فصيل كبير منهم أنها لا تنتمي إلى الشعر، بينما يتمسك كاتبوها بأنها نوع أدبي بامتياز. «بيان الكتب» يرصد طبيعة الصراع حول قصيدة النثر والمعايير التي يجب أن تتمتع بها وفق مبدعيها.

تقديس

«قصيدة النثر باتت تحظى بالانتشار لكنها في الوقت ذاته تحمل عيوباً جوهرية ويتصدرها الأدعياء». هكذا بدأ حديثه الشاعر عاطف عبدالعزيز، معتبرًا أن هؤلاء الأدعياء موجودون في كل مجال.

وأشار إلى أن قصيدة النثر ذات جماليات مبتكرة تعتمد على رؤية الشاعر للواقع المادي الخارجي برؤية جديدة ومن ثم بلورتها في سياقات جمالية تنعكس على العلاقة اللفظية وبنية التراكيب وقوة التخيل. ولفت إلى أن البعض يرون في قصيدة النثر هروبًا من صعوبات الشعر المنظوم، وهذا غير صحيح إلا لمعدومي الموهبة أصلًا.

وعن تجربته في الشعر وقصيدة النثر أضاف: عندما بدأتُ رحلتي الإبداعية صدمتني الانتقادات الموجهة إلى الشعر والشعراء، فآثرت الابتعاد عن الكتابة، وبتأملي في الشعر أدركت أن قوّته لا تكمن فقط في صرامة الوزن والبحور؛ وإنما في قوة ما يرغب الشاعر قوله.

وأضاف: الشعراء المتعالون هم من يصنعون التعاليم المصمتة ويقدسونها، فالشعر هو ما يحسّه المبدع ويريد التعبير عنه؛ لهذا توجهت في تلك الفترة إلى كتابة قصيدة النثر.

المعايير

يوضح الشاعر رفعت سلام أن أكبر مشكلة تواجه النقاد والمبدعين، بل والقرّاء، هي تحديد المعايير والخصائص الإبداعية لقصيدة النثر، مؤكدًا أنها مشكلة تظهر دائمًا عند صعود أي تيار إبداعي جديد، وحدث هذا مع قصيدة التفعيلة في خمسينيات القرن الماضي؛ لدرجة أن عباس العقاد أحال ديوان صلاح عبدالصبور «الناس في بلادي» إلى «لجنة النثر» بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب.

وتابع سلام: عند صعود أي تيار جديد لا تكون هذه المعايير والخصائص واضحة ومتمايزة، لأنه يكون بصدد تشكيلها على الأرض في النصوص ذاتها ولا تتشكل بشكل مسبق خارج النصوص، والشعراء أنفسهم يكونون في طور التجريب لاكتشاف هذه الخصائص والمعايير. ولذا؛ فالمطالبة بـ«الخصائص» قبل نضج التجربة والتيار الجديد لن تجدي شيئًا. وفي نهاية الأمر هذه مهمة النقاد لا الشعراء، فعليهم استنباطها مما يتوافر من قصائد جيدة إن كان ذلك ضروريًّا؛ وإلا فليكتب كل من شاء ما يشاء، هل هناك ضير في ذلك؟! ثم يحسم الزمن -القريب، وليس البعيد- إذا كان ما يُكتب شعراً أم خواطر، ورحابة الصدر ستكون مفيدة لجميع الأطراف.

ويؤكد سلام أنه وفقًا لقراءاته في تجارب الشعر الأجنبي، خاصة الفرنسي، لا توجد معايير محددة لقصيدة النثر، وأن سوزان برنار توصلت في كتابها الشهير «قصيدة النثر» إلى بعض السمات التي تحققت في الشعر الفرنسي على امتداد قرن من الزمن، لكنها في الوقت نفسه لم تزعم أنها «شروط» لكتابة هذا النوع من القصائد؛ وهي في النهاية -في تقديره- سمات نسبية ليست قاطعة ولا نهائية، ولا مشكلة في الاختلاف حول نشأة قصيدة النثر العربية إلا في مدى الالتزام بمنهج علمي في تحديد هذه النشأة.

وختم سلام: «يجب ألا نخشى من فكرة الاستفادة من المنجز الغربي الأدبي، إذ سبق أن استفدنا منهم في السينما والمسرح والفوتوغرافيا والرواية والنقد الأدبي والبحث العلمي، ولن يفيد شيئًا افتعال تاريخ آخر ملفق يرجع بقصيدة النثر العربية إلى (سجع الكهان) على نحو ما يشترط البعض، فالتاريخ تاريخ ولا ينبغي أن نخجل من تاريخنا أيًّا ما كان».

تحرر

بدورها، تؤكد الشاعرة سارة علام أن اختيارها قصيدة النثر لم يكن انحيازًا للنوع بقدر ما هو انحياز لذهنية وذائقة. وتضيف: «أميل إلى الكتابة الحداثية وما بعدها، ولا أتخيل أن القصيدة الموزونة تعبر عن الحداثة، بينما النثر تحرر الشاعر من فكرة البحث عن كلمات محددة ربما تخل بالمعنى من أجل الالتزام بوزن القصيدة، خاصة مع ما تشهده اللغة من تطور مستمر أبعد كثيرًا من المصطلحات والعبارات والمفردات الكلاسيكية والقديمة؛ فصارت كتابة قصيدة حرة تحمل وزنها في معناها أجمل من الالتزام بالموسيقى».

وعن العداء والجدل الموجود الآن حول قصيدة النثر، تشير سارة إلى أن الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي يلقبها بـ«القصيدة الخرساء»، مؤكدة أن العداء لم يجعل شعراء النثر يتوقفون عن الإبداع؛ بل لم يلتفت أحد إلى قول حجازي، والدليل أن إبداع قصيدة النثر في السنوات الأخيرة صار أكبر كمًّا من إنتاج قصيدة التفعيلة.

وتعزو سارة الخلاف إلى عدم إيمان شعراء الجيل الجديد بقصيدة لا تعترف بوزن أو قافية تضرب التقاليد القديمة عرض الحائط وتخلق مساحتها الذاتية، ربما هي قصيدة مستوردة أو قادمة إلى ثقافتنا العربية من الخارج، لكن هل هذا يعني اضطهادها وعدم الاعتراف بها؟

وتضيف: في المقابل، فإن فن الرواية جذوره غربية أيضًا، فلم يعرف العرب إلا الشعر قديمًا، فهل هذا يدعونا إلى مهاجمة الرواية ومن يكتبها؟ وتجيب بنفسها: «لا أظن، فالخلاف حول قصيدة النثر هو خلاف حول أي فن جديد، يذكرنا بما كان يفعله عباس العقاد في شعراء التفعيلة عند ظهورها، لم يكن يعترف بهم؛ وهو ما عانى منه عبدالمعطي حجازي نفسه ثم عاد وكرر الأمر ذاته مع قصيدة النثر».

مرحلة متطورة

اعتبرت الشاعرة السورية رشا عمران أن وصف قصيدة النثر بالخالية من الإيقاع والوزن هو أمر يعود إلى الأصوليين من الشعراء والنقاد، هؤلاء الذين يرفضون التجديد. وتقول: في رأيي، وصل الشعر إلى مرحلة متطورة للغاية، وكما هو واضح فإنه يستعيد مكانته من محاولات التطوير والحداثة التي تمر عليه.

وتتابع: إن قصيدة النثر تعتبر مرحلة جديدة، وشكلًا من أشكال الشعر الحديث الذي يصور تغير الزمان والأحداث الحالية.

وعي بالتراث الشعري

يرى الناقد الأدبي د. صلاح فضل، أن قصيدة النثر تأتي تحت لواء التجريب، والتجريب هنا يعتمد على معرفة الأساسيات، وعلى الشاعر أن يكون واعيًا بأساسيات كتابة الشعر العمودي قبل اللجوء إلى التجريب، وألا ينتهج التمرد الشعري في سياق قصيدة النثر سبيلاً للهروب من الأساسيات. ويستطرد: «لا أقبل من شاعر أن يقدم قصيدة نثر إلا بعد إثبات إتقانه لقصيدة التفعيلة ومعرفته بالأوزان الشعرية ويميزها جيدًا ثم يجد أنها لا تتلاءم مع ما يرغب وانجذابه لسبيل آخر للتعبير».

واعتبر فضل أن بعض الأقلام التي تكتب القصيدة النثرية لا علم لها بالتراث الشعري الكبير ولم يتذوق أصحابها التراث وما حمله من إبداعات وطاقات تخيلية وإبداعية كبيرة؛ لهذا تخرج أشعارهم جافة وتافهة ولا يمكن أن يطلق على هذه التجارب شعرًا.

1960

وتجدر الإشارة هنا، إلى أنه اختلف النقاد حول البداية الحقيقية لقصيدة النثر العربية، وظهر هذا المصطلح تحديدًا في عام 1960، ليعيدها البعض إلى كونها فنًا أجنبيًا نشأ من الغرب وتتبعهم الكُتّاب العرب في هذا الفن الحداثي.

وعن النشأة الأوروبية الأصل يؤكد بعض الباحثين أن رامبو كان أول من كتب قصيدة النثر، وآخرون يؤكدون أن بودلير الأقدم منه؛ ودليلهم أنه أعجب بقصائد بودلير النثرية، ويليهم الشاعر مالارميه الذي سلك الطريق ذاته، لتعد فرنسا هي بلد المنشأ؛ إذ إن أصل جميع هؤلاء الشعراء يعود إلى البلد ذاتها. وفي أميركا حمل الشاعر وايت ويتمان على عاتقه تجديد هذا الفن رغم كل من اختلفوا مع اتجاهه، مُصدّرًا أشهر دواوينه «أوراق العشب». وفي العالم العربي حمل المعاصرون راية هذا الفن، وكان أبرزهم أدونيس وخليل حاوي ونذير عظمة، لينضم إليهم فيما بعد، عدد من النقاد مثل: أسعد رزوق وأنسي الحاج وخالدة سعيد، الأمر الذي مهد الطريق أمام قصيدة النثر في الانتشار داخل العالم العربي. وفي المجال النظري كان أول من تبنى الحديث عن هذا الاتجاه من مصر: الأديب شكري غالي، الذي تحمس كثيرًا لقصيدة النثر؛ ما جعله يؤلف كتابه «شعرنا الحديث.. إلى أين؟».

أزمة مصطلح

وفي العموم، فإن مصطلح النثر بشكل عام مربك لدى كثيرين، إذ إن التعريفات حول الأنواع الشعرية كثيرة ومتنوعة، ويفرق الباحثون بين النثر الشعري والشعر المنثور وقصيدة النثر. إذ عرف أمين الريحاني، أحد أبرز أدباء وشعراء المهجر، الشعر المنثور بكونه «الشعر الحرّ الطليق، وهو آخر ما وصل إليه الارتقاء الشعري عند الغرب، خاصة الإنجليز والأمريكيين؛ فشكسبير أطلق الشعر الإنجليزي من قيود القافية، وولت ويتمان أطلقه من قيود العروض كالأوزان الاصطلاحية والأبحر العرفية، على أنّ لهذا الشعر الطليق وزنًا جديدًا مخصوصًا، وقد تجيء القصيدة فيه من أبحر عديدة متنوعة، وويتمان هو مبتكر هذه الطريقة وزعيمها.

الشكل الحالي..انتقاء ذكي وإعادة توزيع

أخذتْ قصيدة النثر شكلها الحالي من خلال قواعد أقرت لها بعد دراسات نظرية عدة، ويؤكد الناقد كريم ناجي في دراسة له، أن «قصيدة النثر ليست حيزاً أو جسداً جمع صفات الشعر والنثر جمعاً مادياً لا تفاعل فيه؛ إنما هي انتقاء ذكي لعناصر وصفات من المنطقتين وإعادة توزيعها على نحو إبداعي ينتج منطقة ثالثة لها مواصفاتها الخاصة وجمالياتها الجديدة. إنه جمع تفاعل، وإنتاج محصلة لها اتجاهها الخاص الذي يميزها عن النثر والشعر كما كانا يفهمان قبل ذلك».

وفي دراسة لعضو اتحاد الكتاب التونسيين الشاعر المهدي عثمان بعنوان «قصيدة النثر بين حدود التعريف وشرعيّة الوجود»، يوضح أنّ «قصيدة النثر» جعلت اللغة حقلاً من الأعشاب الصالحة لدرء صراعات كثيرة.

سجال توطينها لا يزال دائراً منذ عقود

رغم مرور زمن طويل جداً على محاولات توطين قصيدة النثر في سياق الشعرية العربية؛ إلا أن السجال ما زال قائماً حول كثير من جوانبها الفنية واللافنية. وتختزن الذاكرة الشعرية العربية سجلاً ضخماً للسجالات التي أرادت توطين قصيدة النثر، سواء بتحريف منطلقاتها أو بإزاحتها عن حواضنها المكانية وأعماقها الزمانية لئلا يكون الآخر هو مصدر الحداثة، أو بإيجاد مرجعية تراثية توازيه وتخفف من حدة أطروحاته الصادمة للذائقة التقليدية، أو بإعادة النظر في قاعدة الموازين الشعرية القديمة وإيقاعاتها لاستيعابه. واللافت أن هذه السجالات التبسيطية لمكتسب إنساني كبير، وتتسم بجاذبية المساءلة الموضوعية، لم تخترق سقف الممنوع في المجادلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات