متحف سعد زغلول.. بيت الأمة المصرية

صورة

يحتل متحف سعد زغلول، أو «بيت الأمة»، كما يُطلق عليه، موقعاً مميزاً في نفوس المصريين والعرب، نظراً لكونه يخص واحداً من أشهر زعماء الحركة الوطنية والسياسية في مصر في زمن الاحتلال الإنجليزي، ولا تُذْكر ثورة 1919 م المصرية.

إلا وذكر معها اسم سعد زغلول، الذي تزعمها بصفته رئيس حزب الوفد، الذي قاد الثورة آنذاك، فحينذاك خرج المصريون وتجمعوا حول بيت زغلول، يهتفون ضد الاحتلال، وظل مسرحاً للحركة الوطنية منذ أواخر عام 1918 م وحتى نهاية 1937 م.

لا يمكن الحديث عن بيت سعد زغلول كمتحف، إلا بتتبع تاريخ إنشائه منذ البداية، حيث شرع الزعيم الوطني في بنائه منتصف عام 1901 م بمنطقة المنيرة بمدينة القاهرة، واستكمله في أوائل العام التالي، ثم انتقل للعيش فيه في أبريل سنة 1902 م، وسجل سعد زغلول في مذكراته، تكلفة ما أنفقه على بناء المنزل، إذ بلغ آنذاك 4296 جنيهاً و460 مليماً.

وبعد وفاة صفية زغلول، زوجة الزعيم الراحل، الملقبة بـ «أم المصريين»، قررت الحكومة المصرية تحويل المنزل إلى متحف قومي يخلد المقتنيات والأثاث والأدوات الخاصة بزعيم الأمة وزوجته أم المصريين.

وتكلفت عملية تحويل المنزل إلى متحف حوالي 3 ملايين و270 ألف جنيه مصري، وهو يضم أثاثاً فرنسياً من طراز حقبة لويس الخامس عشر، وأثاثاً عربياً مطعماً بالعاج، ومقتنيات فنية بينها 12 لوحة زيتية لكبار الفنانين التشكيليين، منهم: يوسف كامل ومحمود حسين، فضلاً عن مقتنيات شخصية للزعيم الوطني الراحل والتحف النادرة التي كان يعشقها.

حياة ووفاء

بمجرد زيارتك إلى المتحف، ستكتشف أن كل ما فيه يعكس حياة سعد زغلول، ويجسّد وفاء زوجته، ففي شارع الفلكي (بوسط القاهرة)، يقع ضريح الزعيم الراحل، ليكون مواجهاً لشرفة منزله، حتى تطل عليه زوجته كل صباح، وهو ما يخلّد أسمى معاني الحب، إذ طلبت أم المصريين من حكومة الوفد آنذاك، برئاسة مصطفى باشا النحاس، نقل جثمان سعد باشا إلى ضريحه بشارع الفلكي، وحدد النحاس باشا يوم 19 يونيو عام 1936، للاحتفال بنقل رفات زعيم الأمة، بعد أن ظل في مقبرة الإمام الشافعي تسعة أعوام تقريباً.

وصمم الضريح على الطراز الفرعوني، المهندس المعماري مصطفى فهمي.

عظمة وشموخ

المتأمل لمبنى المتحف من بعيد، يجده يقف راسخاً، يحمل عظمة وشموخ وطموح وأحلام المصريين، تحيط به حديقة واسعة تضفي عليه مزيداً من الزهو، مزينة بالأشجار والنخيل والمصابيح، ومحاطة بسور عالٍ ، تتصدره بوابة حديدية كبيرة لتأمينه.

وبمجرد أن يعبر الزائر من البوابة الضخمة، بعد أن يخضع للتفتيش الأمني، ويسجل بياناته الشخصية في دفتر الزوار، ويدفع رسوم تحصيل تذكرة الدخول، يجد نفسه أمام تمثال نصفي لسعد زغلول، نحته الفنان المصري الشهير محمود مختار، تحيط به الأشجار من كل جانب.

جولة داخل المتحف

يقع المتحف على مساحة 3080 متراً مربعاً، ويتكون من ثلاثة طوابق، وأربع عشرة غرفة، تحتوي على 750 ‬قطعة من مقتنيات المنزل. تبدأ الجولة بزيارة الصالون الصغير الذي كان يستقبل ضيوف سعد زغلول في الشتاء، ومنه إلى غرفة الطعام، التي تتوسطها مائدة كبيرة، وحولها تقف الكراسي فارغة، بعد أن كانت تحمل سعد زغلول وزوجته، وكان ميعاد الغداء في الواحدة والنصف ظهراً.

واحتفظت هذه الغرفة بطلائها عند تجديد المتحف، كونها منقوشة يدوياً بالزيت، وإلى جوار المائدة، توجد خزانة تضم أدوات الطعام من الأطباق والأكواب.

يخرج الزائر من غرفة الطعام إلى حجرة الصالون الكبير، وفيها كان يجتمع سعد زغلول بأعضاء حزب الوفد، ‬وتزين إحدى حوائط الغرفة بسجادة حائط، عليها صورة لسعد باشا، أهديت لأسرته في الذكرى الأربعين لوفاته، وعلى الحائط الآخر ساعة رائعة الصنع، أهديت له عندما تولى رئاسة الوزراء عام ‮ م.‬1924‭ نتجه إلى غرفة مكتب سعد زغلول، فنجد مكتبه مغطى بطبقة سميكة من الجوخ الأخضر، وفوقه

حافظة أوراق المذكرات التي كان يستعملها، وأدوات الكتابة الخاصة به، مثل الريشة التي كان يكتب بها، وفوق المكتب نظارتان كان يستعملهما: إحداهما مُكبرة، والأخرى للنظر والقراءة. وعلى المكتب أيضاً «منشّة» مصنوعة من الخوص العادي، ما زالت في مكانها.

وتحتوي غرفة المكتب أيضاً على خزانة تضم مجموعة فاخرة من أدوات الكتابة، وقلم حبر أميركياً، أهدته إليه زوجته، لكن سعد زغلول لم يستخدمه أبداً.

ببغاوات وعصافير محنطة!

وبالصعود إلى الطابق الثاني، نجد مدخلين، أمام كل واحد منهما قفص من المعدن، كان‮ ‬يضم زمن ساكنيه، زوجين من الببغاوات حنطا بعد موتهما، لنتجه إلى غرفة ثياب صفية زغلول، والتي تضم ملابسها وأحذيتها وزجاجات عطرها وأدوات زينتها وراديو بالأسطوانات، وقفصاً معدنياً في داخله عصفورة محنطة، وتطل هذه الغرفة على الضريح الخاص بالزعيم، ومن خلالها يدخل الزائر إلى حجرة نوم الزوجين، التي حافظت عليها «أم المصريين» كما هي.

حيث يوجد سرير سعد زغلول، مثلما كان في حياة صاحبه، وبجواره خزانة صغيرة، عليها دورق مياه وكوب ما زالا في المكان الذي كانا عليه يوم لفظ سعد أنفاسه الأخيرة سنة 1927 م، وخلفه مقعد وثير، كان يجلس عليه بعد استيقاظه لمطالعة الصحف.

وفي الجانب الآخر من الغرفة، مجموعة من المقاعد الكبيرة ومنضدة صغيرة، ويظهر إلى اليسار دولاب صغير، فيه عدد من زجاجات الأدوية والروائح العطرية.

مكتبة وأرابيسك

ومن حجرة النوم يدلف الزائر إلى غرفة ملابسه، ليجد فيها الطربوش الخاص بالزعيم، وسلة تضم مجموعة من «العكازات»، محفورة عليها آيات قرآنية، كان‮ ‬يختار منها ما‮ ‬يتبرك به في المناسبات، إلى جانب كنبة من جلد الحوت وقفطان برتقالي اللون، الذي جاء به من بلدته (محافظة الغربية)، وخلف الباب توجد نتيجة‮ ‬يدوية، توقف العد بها على تاريخ وفاته.

كما نجد أن الحرملك الذي كانت تستقبل فيه صاحبة البيت صديقاتها وقريباتها، يضم صالوناً من الأرابيسك مطعماً بالصدف والعاج، وأسفله كراسٍ صغيرة توضع عليها الأقدام، كعادة الأتراك في بيوتهم، ولوحات فنية.

ومنه إلى حجرة المكتبة الخاصة بصفية هانم، وفيها مجموعة من ‬الكتب التي كانت تهوى قراءتها، وفيها صورة لها ترتدي علم مصر الملكي باللون الأحمر، ثم نطالع في الردهة لوحة أهديت لها كتب عليها‮: «‬عائشة أم المؤمنين، وصفية أم المصريين».

إعادة ترميم

في عام 2003 م، رممت وزارة الثقافة المصرية، البيت، وأعادت تأهيله، فجددت الكثر فيه، وخصصت الطابق السفلي (البدروم)، ليكون مركزاً ثقافياً تقام فيه الندوات السياسية، استمراراً للدور التاريخي لبيت الأمة، حيث يقام فيه صالون ثقافي شهري، يستضيف رجال الساسة والفكر المصري والفنانين، بهدف مناقشة الأوضاع المصرية على كافة الأصعدة، وكان من أبرز الأسماء التي استضافها الصالون: الدكتور عمرو موسى المرشح السابق لرئاسة الجمهورية، الفنان عزت العلايلي.

وفي العموم، نتبين في المتحف مقتنيات وأوراقاً وصوراً، وغير ذلك الكثير، تكشف جميعها قصة حياة ونضال وعمل هذا المناضل والرجل الوطني، فتحكي في هذا السياق، أداء وتميز سعد زغلول حين شغل منصبي رئاسة الوزراء ورئيس مجلس الأمة.

وكذا صموده وإصراراه حين نفي عن مصر مرتين: الأولى إلى جزيرة مالطة، بعد تشكيله مع رفاقه وفداً للدفاع عن القضية المصرية، وهذا كان السبب في إشعال ثورة 1919 م، وفي المرة الأخرى إلى جزيرة سيشل عام 1921، بعد فشل مفاوضات الجانب المصري مع نظيره البريطاني حول حق مصر في نيل استقلالها، وتسبب ذلك في اندلاع الثورة مرة أخرى.

1860

ولد سعد زغلول في محافظة كفر الشيخ، وتضاربت الأقوال حول تاريخ ميلاده الحقيقي، فمنهم من أشار إلى أنه ولد في يوليو 1857، وآخرون قالوا في يوليو 1858، بينما وجد في سجلات شهادته التي حصل عليها في الحقوق، أنه من مواليد يونيو 1860.

توفي والده وهو في سن الخامسة من عمره، تلقى تعليمه في الكُتاب، ثم التحق بالأزهر عام 1873 م، وتعلم على يد الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، حيث التف حوله وعمل معه في جريدة الوقائع المصرية، ثم انتقل إلى وظيفة معاون بوزارة الداخلية، لكنه فصل منها لاشتراكه في ثورة عرابي، فاشتغل بالمحاماة، وقبض عليه عام 1883 بتهمة الاشتراك في التنظيم الوطني المعروف بـ «جمعية الانتقام».

1931

قررت الحكومة المصرية عام 1927، وعقب وفاة سعد زغلول، إقامة ضريح له يُبنى بجوار بيته، وكان قد دُفن بمقابر الإمام الشافعي مؤقتاً لحين إتمام الضريح، ذلك تلبية لرغبة زوجته صفية زغلول، وقررت أيضا، إنشاء تمثالين للزعيم الراحل: أحدهما في القاهرة (أقيم بالجزيرة)، والآخر في الإسكندرية (أقيم بمحطة الرمل).

واكتمل بناء الضريح في عهد وزارة إسماعيل صدقي سنة 1931 م، وكان من خصوم سعد زغلول، فعارض جعل الضريح الضخم لشخص واحد، واقترح تحويل الضريح إلى مقبرة كبرى، غير أن صفية زغلول رفضت وأصرت على أن يكون الضريح خاصاً بسعد فقط، وفضلت أن يظل جثمانه في مقابر الإمام الشافعي إلى أن تتغير الظروف السياسية، وتسمح بنقله في احتفال يليق بمكانته. ولم تُنقل رفات سعد زغلول إلى الضريح إلا في 1936 م.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات