متحف طه حسين

أنوار الفكر تغازل ضياء المكان وأشياءه

صورة

يسافر الزائر إلى متحف طه حسين، إلى فضاءات شائقة ممنعة، يستكشف فيها لمحات من عوالم هذا المفكر العربي، الذي لم تخب شعلة إسهاماته، يوما. إذ إنه طالما عد أحد رموز الحركة الثقافية والفكرية في مصر والعالم العربي.. كما أنه واجه وخاض معارك فكرية عديدة، كون أفكاره وأعماله، عادة ما كانت تخلق سجالًا بين مثقفي ومفكري عصره.

وفي العموم، فإن المتحف ــ الذي كان يحب طه حسين أن تطلق عليه تسمية "رامتان"، صدر قرار إنشائه عام 1991 وافتتح في العام التالي ــ يتبدى كمنارة إشعاع ومعرفة وتذكير في مقره بمنطقة الهرم في محافظة الجيزة.وتبدو زيارته كسفر تغازل فيه أنوار الفكر ضياء المكان وأشياءه. كما أنه يطالعنا بمعالم ووثائق غنية، تبين مدى إسهامه، بحق، في إجداء وتثوير الحراك الثقافي، المصري والعربي عموما. إن المتحف، بوجهة عامة، يتجسد، وكما يجده مبدعون ومتخصصون كثر، بمثابة حكايات عذبة أبجديتها الصور والوثائق.

تنبهت وزارة الثقافة المصرية إلى أهمية وجود متحف يُخلد ذكرى الأديب الراحل، عميد الادب العربي الدكتور طه حسين، ذلك تقديرا لمجهوداته في الحياة العلمية والاجتماعية والفكرية بوجهة شاملة.. وليس فقط لإسهاماته الأدبية والثقافية. إذ انه شغل العديد من المناصب والمسؤوليات المختلفة، ونجح في أدائها على أكمل وجه. كما أنه أول من طالب بمجانية التعليم، مؤكدا أن التعليم كالماء والهواء.

وكان من حسن الحظ، أن يكون متحف طه حسين في الفيلا نفسها، التي عاش فيها فترة طويلة من حياته، مع: زوجته الفرنسية سوزان وابنيه مؤنس وأمينة، وذلك حتى وفاته. إذ يكفل ذاك، قدر الأجيال المتعاقبة على أن الاطلاع عن كثب، على كيفية وملامح وتفاصيل حياة هذا الأديب. وهكذا، تقترب وتتكامل ثيمات الصور وموضوعاتها، التي يكونها الزائر عن حياة عميد الأدب العربي.. وكذا عن العصر الذي عاش فيه، الذي كان حافلًا بالعديد من الأحداث السياسية والفكرية التي كان طه حسين شاهدا عليها.

يتكون المتحف من طابقين، ويقع على مساحة 860 مترا مربعا، تحيط به الحديقة من ثلاث جهات، وقبل الدخول إلى المتحف، يُقابل الزائر تمثالا من البرونز، صنعه الفنان عبد القادر رزق، يمثل رأس طه حسين، وكأنه يرحب بالداخلين إلى بيته.

محتويات

يضم الطابق الأول من المتحف، مكتبة طه حسين، وغرفة مفتوحة على الحديقة الشرقية، كان طه حسين يستمع فيها إلى من يقرأ له، وكذلك كان يُملي فيها مقالاته وكتاباته أثناء استماعه إلى أنغام الموسيقى الكلاسيكية. كذلك يحتوي المتحف على عددٍ ضخم من اسطوانات كبار الموسيقيين في العالم، مثل: فيردي، باخ موريس، تشايكوفسكي.

وتأتي قاعة الاستقبال بجوار غرفة المكتب، وفيها "أنتريه" صغير من الجلد. ويزين جدرانه جزء من كسوة الكعبة الشريفة، مُهداة له من الراحل الملك فهد بن عبد العزيز، عندما كان وليا للعهد.

أما الغرفة الثالثة في الطابق الأول فهي غرفة "الصالون"، والتي كان يقابل فيها طه حسين زواره، فكانت بمثابة صالون ثقافي اعتاد مفكرو ومثقفو هذا العصر على إقامته في يوم ثابت من كل أسبوع. واجتمع في هذا الصالون كبار المثقفين والمفكرين، مثل: شاعر النيل حافظ إبراهيم، الأديب يوسف السباعي. كما يشاهد الزائر في هذه الغرفة، بيانو وراديو وغرامافون.

تفضي غرفة الصالون إلى غرفة الطعام، والتي يجدها الجمهور الزائر، مكونة من أثاث فرنسي، وتحتوي على مائدة مستديرة من خشب الأرو، وتسعة مقاعد. كما يوجد أيضا بوفيه من الخشب البني الداكن. وتضم الغرفة أيضا، منضدة من الخشب، تعلوها لوحة للفنان تاروهيلي بير.. وبعض الأعمال الفنية، العربية والأجنبية، التي تزين الجدران. وينتهي الطابق الأول بهذه الغرفة.

لوحة وتذكارات

يشتمل الطابق الثاني والأخير، على الغرف الخاصة بكلٍ من: ابنه مؤنس، غرفة زوجته السيدة سوزان. وأكثر ما يلفت النظر في الغرفة، لوحة للسيدة مريم العذراء، أهداها طه حسين الى زوجته حين تعرف عليها في مدينة مونبلييه في فرنسا عام 1915.

وتشتمل الغرفة على باب آخر، يؤدي إلى غرفة نوم الأديب الراحل، التي تتميز ببساطة التكوين. وهنالك غرفة المعيشة الخاصة في الطابق العلوي، والتي تضم تمثالا نصفيا لابنته أمينة. وهناك مكتب آخر ملحق بغرفة المعيشة. وفي نهاية الممر يوجد وحدة عرض من الزجاج، تحتوي على الأوسمة والنياشين وقلادة النيل، ويبلغ مجمل عددها 36 وساما ونيشانا من مختلف الدول العربية والأجنبية، إذ كان قد حصل عليها حسين تقديرا لدوره العلمي والثقافي.

تجديد وترميم

ظل متحف طه حسين، مغلقا وبعيدا عن المشاركة في الحياة الثقافية، طوال سبع سنوات؛ ذلك بسبب الترميمات والتجديدات التي كان يحتاجها المتحف نتيجة هبوط في الأرض الزراعية التي يقوم عليها.

وبلغت كلفة التجديدات حوالي 2 مليون جنيه؛ ذلك سعيا الى تحقيق الهدف، في أن يليق المتحف بمكانة عميد الأدب وقيمته الفكرية. وعاد المتحف، من جديد، لاستقبال زواره في شهر يناير من العام الجاري 2013، إذ افتتحه وزير الثقافة (سابقا) الدكتور محمد صابر عرب، وذلك خلال الفترة الأولى التي تولى فيها الوزارة.

ويشير مدير المتحف، الدكتور محمد عبد المغني، في حديثه، إلى براعة طه حسين وإسهاماته المُتعددة. ويضيف: "إن عميد الأدب العربي فقد بصره، لكنه أنار العالم كله ببصيرته، وأضحى واحدا من أهم وأبرز رواد التنوير في مصر والعالم العربي".

ويلفت إلى أن المتحف يُعد تخليدا لمنارة فكرية استثنائية تستحق التخليد. ويبين في الخصوص أن طه حسين رمزٌ مُهم وعلامة فارقة في تاريخ الأدب العربي، وكذا في تاريخ الأمة العربية جمعاء. إذ إنه غدا مُلهما للعديد من التجارب التي جاءت بعده".

جدوى.. وأهمية

يرى الشاعر والناقد الدكتور محمد حماسة، أن وجود متحف مخصص للدكتور طه حسين، يعد عملًا ضروريا ومطلوبا في عصرنا الراهن؛ لأن طه حسين رمز من رموز الثقافة العربية. ويؤكد أن وجود متحف يحكي عن حياة وعطاءات وابداعات طه حسين، يمثل حافزا وتدعيما وتنشيطا للأذهان؛ ويكفل استعادة دور هذا الرائد والمفكر، الأمر الذي يدفع الشباب إلى التأسي بأسلوبه وطريقته وعمله.

متحف يحكي قصة رجل استثنائي

ومن جهته، يشدد الشاعر عبد المنعم رمضان، على أن طه حسين، ليس مجرد أديب ومفكر، ولكنه شخص استثنائي في تاريخ الثقافة المصرية والعربية. ويتابع : "استثنائية طه حسين لا تحتم علينا فقط الحفاظ على متحفه، بل إعادة طبع كتبه من جديد، واللافت هنا، كما علمت، أن دار المعارف لا ترحب بطبع كتبه".

سيرة قامة

 أصدرت وزارة الثقافة في مصر قرارا يقضي بتحويل فيلا طه حسين، إلى متحف ومركز ثقافي؛ ليكون شاهدا، حتى بعد وفاته، على الحراك الثقافي في المجتمع، وجاء ذلك في العام 1991..

وكانت هذه الخطوة تهدف إلى الحفاظ على مقتنيات الراحل وكتبه ومخطوطاته، ما جعل أسرة عميد الأدب العربي تهدي الدولة جميع محتويات الفيلا، والأوسمة والنياشين وقلادة النيل، وكل الأوراق الخاصة بطه حسين، لعرضها في المتحف، كي يتمكن الجمهور من رؤيتها والاطلاع عليها. وسلم المتحف إلى المركز القومي للفنون التشكيلية في شهر مايو عام 1992، ولكنه أصبح مفتوحا أمام الزوار في العام 1997.

مقتنيات جديدة وتحديث

شهد متحف طه حسين، مجموعة أعمال ترميم وصيانة، على مدار سبع سنوات، أقفلت أبوابه خلالها، أمام الزوار. وتبدت للزائر بجلاء، عقب افتتاحه في العام الجاري، جدوى وقيمة مشروعات الصيانة والتجديد التي أخضع لها.

وكان من بين أرزها:تزويده بنظم مراقبة وإنذار أمنية حديثة، تجويد مساقات وبرامج فهرسة وأرشفة المكتبة، تغيير شبكة الإضاءة وترميم الأثاث والمقتنيات بالكامل، عرض مقتنيات جديدة لطه حسين تظهر للنور للمرة الأولى. وذلك إضافة إلى باقة منوعة وشاملة، أخرى، من أطر التجديد والتحديث في المتحف.

 الذكرى الأربعون.. ندوات ومعارض وقصص إبداع لا تموت

رحل عميد الأدب العربي عن عالمنا منذ أربعين عاما، وبالتحديد في 28 أكتوبر من العام 1973، واحتفل بالمناسبة العالم العربي أجمع، وبوجه خاص مصر التي ظل الاحتفال فيها قائما حتى منتصف شهر نوفمبر، ذلك احتفاء بذكرى أحد أبرز الأدباء والمفكرين في القرن العشرين، إذ نظمت مجموعة ندوات واحتفالات فنية يكثر فيها الحديث عن إبداع عميد الأدب العربي، ودوره وتأثيره على المجتمع، ثقافيا وفكريا.

كما نظم المتحف، ضمن الإطار، معرضا فنيا ضم مجموعة صور نادرة وشهادات تقدير. إلى جانب ما رسمه الأطفال، في هذا الصدد، خلال برامج ورشة الرسم التي أقامها المتحف، التي تجسدت في إبداع أعمال تكون من وحي شخصية طه حسين ومقتنيات متحفه.

وفي وجه عام، لا شك أن متحف طه حسين، يمثل شاهدا نوعيا، على دور وأهمية هذه القامة الفكرية العربية. إذ تحكي محتوياته، طبيعة ما حققه وقدمه للثقافة والمجتمع. كما نتبين عبر موجودات المتحف، كيف أن طه حسين، نال احترام الجميع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات