رواية تمسك بتلابيب الواقع

«بيت»..أوتار ومحظورات

في محراب العدالة يُفصل في القضايا المأزومة، وتقام الحجج على جميع أطرافها، فيُبرأ البعض ويُدان آخرون، ولا يبعد بنا الكاتب في رواية «بيت القبطية» عن فلسفة القاضي في سرده، ولِمَ لا وهو قاضٍ في الأساس، استطاع أن يذهب بنا إلى إشكاليات لم يبرأ منها المجتمع المصري، دارت حول تابوهات طالما تجنب البعض تجاوزها، وإن كثر أخيراً من يحاولون اختراقها، وكان آخرهم الكاتب أشرف العشماوي في روايته «في بيت القبطية».

النبش في المحظورات

في روايته الصادرة حديثاً، تعمد العشماوي أن يضرب على أوتار حساسة، فنبش في محظورات دُفنت تحت طبقات من التناسي، والإهمال، اختار لأحداث سرديته زمناً يسبق ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، وتحديداً في أواخر عصر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، الوقت الذي سُمح فيه للتطرف الديني أن ينتشر متبوعاً بشحن طائفي، مع استشراء الفساد السياسي.

الروّاة.. قاضٍ وامرأة قبطية

انتهج الكاتب تقنية حكي، يروي فيها الأحداث قاضٍ شاب، وامرأة قبطية، في خطين متوازيين، كل منهما يبدأ حكايته التي تقوده إلى قرية «الطايعة»، أو «التايهة» كما يسميها أهلها، حتى تتشابك الأحداث ويلتقي الاثنان في القرية ذاتها، يبدأ السرد القاضي الشاب نادر كمال فايز، الذي بدأ عمله في سلك النيابة العامة منذ ثلاث سنوات، وقادته ظروف عمله للسكن في استراحة النيابة في قرية «التايهة»، والتي كانت فيلا مهندس ري إنجليزي في ما سبق.

تصطدم مثالية النائب الحالم، بواقع القرية المعقد؛ قرية أغلب سكانها من المسيحيين، في حين أن معظم ملاك الأراضي من المسلمين، تتعالى صيحات التطرف على ألسنة شخصيات الرواية، وتنتشر الحرائق والمكائد، ويقف النائب أمام هذا المشهد العبثي في حيرة وارتباك، خاصة مع تراخي السلطة التنفيذية في التعامل مع الأحداث، لتُسجل جميعها ضد مجهول، رغم أن الفاعل معلوم للكافة!

مأساة القبطية

من ناحية أخرى تقود الأقدار «هدى» المرأة القبطية، إلى القرية بعد أن تعرضت لويلات في حياتها؛ فبعد وفاة والدها، تزوجت أمها من رجل مسلم اعتدى عليها جنسياً، ثم تزوجها بالإكراه، بعد حياة مليئة بالمعاناة تضرب هدى زوجها خضر على أم رأسه بعد أن دأب على تعذيبها، وتتوهم موته، فتهرب إلى محطة القطار، ليقودها قدرها إلى قرية «التايهة»، وتحاول أن تحتمي في مضيفة القرية لتبات ليلتها، لكنها تتعرض لمحاولة اعتداء من حارس المضيفة.

ينقذ المرأة القبطية من مأساتها رمسيس خادم نادر بك، وكيل النيابة الشاب، وبعد استشارة نادر يأخذ رمسيس هدى إلى الكنيسة، ويتوسط في تزويجها بعد ذلك من رزق، وتستقر حياتها، ويصبح بيتها بيتاً للبركة يزوره الجميع، ويطلق عليه «بيت القبطية»، ولأن الحياة ينقصها العدل دوماً، يظهر فجأة خضر زوج هدى السابق بعد أن علم مستقرها الجديد، يقاضيها بتهمة الخيانة، لأنها تزوجت من رجل آخر، وهي على ذمته، وتتقاطع مسارات الرواية بما تحمله من مفاهيم مُتباينة عن العدالة، إلى أن تأتي نهاية الأحداث لتحمل بشرى بأن تغييراً طفيفاً قد حدث، ربما ينبئ بتغيير يلوح في الأفق.

واقعية الرواية

خلال 239 صفحة، تميزت الرواية بواقعية الأحداث وعمقها، على عكس الشاعرية، التي حملتها رواية «يوميات نائب في الأرياف» لتوفيق الحكيم، وربما طبعت روح القاضي على الروايتين، لكن العشماوي صاغ قالبه الروائي بصورة أقرب ما تكون للواقع بتفاصيله.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات