مهمة سرية غيّرت مفهوم الجنون

«المتخفّي العظيم».. لحظة فارقة في تاريخ الطب النفسي

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

«المتخفي العظيم» قصة بوليسية أخرى للمؤلفة سوزانا كاهالان الحائزة جائزة «نيويورك تايمز» للكاتبة الأكثر مبيعاً عن عملها السابق بعنوان «دماغ مشتعل: شهر من الجنون»، إلا أن بطل اللغز هذه المرة هو الطبيب، لا المريض.

كما يشير العنوان الكامل للرواية الذي يقول: «المتخفي العظيم: المهمة السرية التي غيّرت مفهومنا للجنون» قدمت كاهالان مراجعة نافذة لإحدى اللحظات المفصلية في حقل الطب النفسي كـ«واحدة من صحافيي أمريكا الشباب الأكثر شجاعةً» وطرحت تاريخاً سردياً قوياً يستكشف لغزاً عمره 50 عاماً يكمن خلف التجربة الدراماتيكية التي غيّرت مسار الطب الحديث.

مهمة

كافح الأطباء لقرون طويلة من أجل تعريف الأمراض العقلية، لناحية تشخيصها ومعالجتها ومعرفة حقيقتها. وفي سياق البحث عن إجابات، وفي سبعينيات القرن قام الاختصاصي بعلم النفس في جامعة ستانفورد ديفيد روزنهان وسبعة آخرون من الأشخاص العاقلين الطبيعيين بمهمة سريّة داخل المصحات العقلية المنتشرة في أمريكا لاختبار شرعية بيانات أطباء الأمراض العقلية. وقد خرج الثمانية، وكانوا مجبرين على البقاء داخل المصحات لإثبات صحتهم العقلية بتشخيصات مروّعة وقصص مثيرة للقلق تتعلق بطرق علاجهم. فتحت دراسة روزنهان الحاسمة أبواب مجال الأمراض العقلية وأغلقت عدداً من المؤسسات ذات العلاقة وغيّرت التشخيصات اللصيقة بالصحة العقلية للأبد.

موافقة

إلا أن بحث كاهالان المعمّق والمتفجّر حول المسألة قد أظهر بأن قلة من جوانب تلك الملحمة البطولية هو ما يبدو عليه بالفعل. فما الذي حصل فعلياً خلف أبواب المصحات المغلقة، وما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لمفهومنا المتعلق بالأمراض العقلية اليوم؟

وتقتبس كاهالان عن كينيث غيرغين، أحد زملاء روزنهان الذي يعتبره محاضراً ممتازاً وصاحب شخصية كاريزماتية عموماً، بأن «بعض الناس في الكلية كانوا يلقبونه بالغشاش». ويبدو أن كالاهان تنزع مع غوصها في البحث إلى الموافقة، حيث اكتشفت أن الرجل الذي كانت تكنّ له الاحترام بدايةً والذي قام بالكثير لتغيير النظرة إلى الأمراض العقلية لم يكن كما يبدو بالفعل، على غرار تجاربه.

في العام 2012، عقب نشر كالاهان لكتابها الأول «دماغ مشتعل: شهر من الجنون» الذي تحدثت فيه عن هلوساتها وجنونها ورحلتها العلاجية، وخلال حديث عادي مع أطبائها في مستشفى ماكلين في بوسطن، تنبهت لتجارب روزنهان. ورغبت فجأة بمعرفة المزيد عن تلك التجارب وعن المتطوعين والتحديات التي انطوت عليها مهمة سرية محفوفة بالمخاطر تلك.

تجربة

وكان روزنهان أول من نفّذ تجربةً رسمية تتضمن 8 من «المرضى المزيفين»، الذين أبلغوا عن سماعهم لأصوات «مكبوتة» تدلّ على هلاك وجودي. 7 من هؤلاء تم تشخيصهم بالانفصام في الشخصية، وواحد باضطراب ثنائي القطب. ومع أن روزنهان توفي عام 2012، تمكنت كالاهان بسهولة من الوصول إلى الأرشيف الخاص به، المحفوظ من قبل صديقه وزميله من ستانفورد، الطبيب النفسي الاجتماعي لي روس. وتضمن ذلك الأرشيف الصفحات الـ200 الأولى لمسودة كتاب روزنهان غير المكتملة حول تجربته.

وحذر روس كالاهان حيال السرية التي كان يتسم بها روزنهان بعد فشل محاولاتها في التعرف إلى أي من المرضى الذي وضع لهم أسماء مستعارة، ووصولها إلى نهاية مسودة تلو الأخرى. وكانت كالاهان قد أجرت مقابلات مع عدد من الأشخاص الذين عرفوا روزنهان إما شخصياً أو بشكل غير مباشر. وتعقبت السجلات الطبية لأفراد شككت بأنهم على علاقة بالاختبار، مما قادها إلى أحد خريجي ستانفورد، بيل أندروود.

فبركة

وتوصلت بعد الحديث إلى بيل وزوجته إلى تناقض وتضارب بين المعلومات التي ذكراها وتلك التي أوردها روزنهان في مسودته، مما أوصلها إلى نتيجة مفادها أن الطبيب قد فبرك بحثه برمّته. وكتبت تقول إنها لا تستطيع أن تكون متأكدةً تماماً بأن روزنهان قد تعمّد الغش، لكنها كانت واثقةً تماماً بأنها ستطلق على كتابها المشوّق والمربك عنوان «المتخفي الأعظم».

ويجدر بالذكر أن «المتخفي العظيم» وهو مصطلح طبي يدلل أساساً على حالات طبية تتسم بأعراض غير محددة يمكن خلطها مع حالات مرضية أخرى، وهو يطالعك بجزء منه كرواية مليئة بالتشويق يعجز القارئ معها إلا عن المضي في قلب الصفحات، دون أن يعني ذلك القول إنه متوقد يتسم بذوق الإثارة، فكاهالان مؤلفة موزونة، إلا أن كتابها يشكل نداءً مرتفع الصوت، وقد كتبته بإحساس حقيقي بالإلحاح وبأسلوب نثري قوي وواثق.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات