يُحاكي اللحظة الاجتماعية الحاضرة

«مصدر احترام النفس».. الحكمة في زمن المعلوماتية

صورة

إن فعل الكتابة نوع من ممارسة الإيمان، انطلاقاً من هذا المنطق تطالعنا الروائية الأميركية الحائزة جائزة «نوبل» للآداب، وأيقونة الرواية الأميركية السمراء توني موريسون بجملة من المقالات والخطابات والتأملات الممتدة، عبر 4 عقود من الزمن المجموعة في كتاب شكل آخر إصداراتها بعنوان «مصدر احترام النفس». العمل يُحاكي اللحظة الاجتماعية والسياسية للزمن الحاضر حتى لكأنك عناوين أخبار الصحف.

التعتيم المتزايد الخطير للمعلومات والحكمة كان محور إحدى المحاضرات، التي ألقتها موريسون عام 1992 بعنوان «مصدر احترام النفس»، الذي استعارته مجموعتها الأدبية الأخيرة. قيمة مُضافة شكلتها الملاحظات المتبصّرة، التي قدمتها قبل أكثر من ربع قرن من الزمن، أي قبل ظهور الشبكات الإلكترونية على النحو الذي نعرفه، وقبل «الأخبار المزيفة» و«الحقائق البديلة» وغيرها من عوامل تآكل الحكمة المدفوعة بالتضليل، وقبل عصر البيانات الكبرى الذهبي واختزال حياة البشر بنقاط بيانية قابلة للتسويق.

تحليل عميق

سخّرت موريسون قلمها التحليلي العميق للحديث عن الحركات الجماعية للناس عبر الكرة الأرضية، للأغراب والغريبات وتحدثت عن معنى «أن تكون منفياً في المكان الذي تنتمي إليه»، كما تناولت قصص العنصرية في الإعلام والمجتمع والأدب الأميركي، وعاينت خطوة بخطوة تحرك الأمم نحو توأم الفاشية.

يتألّق «مصدر احترام النفس» بأناقة الفكر والأسلوب، وبجرأة أدبية وإحاطة أخلاقية شكلت الصفة الأكثر التصاقاً بموريسون. قد تكون الكتابة والإبداع في عالم يطالعنا على نحو يومي بمشقات وانكسارات وأحداث كارثية أمر مهيب لحدّ الإصابة بالعجز والشلل، إلا أن موريسون تُدرك، أكثر من أي شخص آخر، بأن السكون لا يعني الفراغ بالضرورة، فالكتابة ليست رديفاً للانضمام للخطوط الأمامية، والاحتجاج في الشوارع والمطالبة بالتغيير بقوة أجسادنا، بل الجلوس بهدوء مع أفكارنا، وتملقها لتطفو إلى السطح، للمطالبة بأن تكون معروفة. والسكون لا يعني بالضرورة الركود، فالكتابة بذاتها وإبداع شيء ما، شكل من أشكال التغيير، إذ إنها ترادف اختلاق شيء حيث اللاشيء في فعل عميق للأمل.

هاجس الحرمان

وفي السياق، تقول موريسون: «لكم هو بائس، لا يُطاق ولا يُعاش هذا الوجود حين نصبح محرومين من الفن، وإن الفكرة التي تقودني للتأمل بخوف معنى أن تمحى أصوات الآخرين، الروايات غير المكتوبة، القصائد المهموسة أو المكبوتة لخوف من أن تصل إلى آذان الأشخاص الخطأ، اللغات المحظورة المزدهرة في السر، وأسئلة الكتّاب المتحدية للسلطة التي لم تطرح يوماً، والمسرحيات غير المعروضة، والأفلام الملغية، مجرّد تلك الفكرة تشكل كابوساً لي».

ومن المرجح أن تكون بنية الكتاب، قد ساعدت على نحو مقصود، في تقويض ديمومة أجزائه، إذ إن العمل قد تم تنظيمه حسب الموضوع، لا حسب الترتيب الزمني. وقد انشغل في القسم الأول الذي حمل عنوان «بيت الغريب» بتهديدات العولمة والنزعة القهرية غير المفيدة لنبذ «الآخر» وشيطنته. وقد افتتح بصلاة مؤثرة لأرواح الذين ماتوا في أحداث 11 سبتمبر، حملت من القوة ما يشابه قوة أعمال موريسون.

ذكر الموتى

وابتدأت الأقسام الأخرى في الكتاب كذلك بذكر الموتى وتقديرهم، وبتنويه وثناء لمارتن لوثر كينغ الابن شكل توطئة الحديث عن «قضايا السود»، في حين سطّرت بداية القسم الأخير مديح الروائي والكاتب المسرحي جيمس بالدوين، وحمل عنوان «لغة الله». وقد سلطت موريسون فيه الضوء على أعمالها وإبداعات الآخرين الفنية، وعاينت دور الفن في المجتمع.

وتجسّدت أقوى افتتاحيات مجموعة الأعمال في تحدي النزعة البشرية القهرية الأبدية على ما يبدو للسير باتجاه الانفصال لا الوحدة، ولإعلاء الفروقات السطحية على جوهر الإنسانية المتشاركة. وليست الكلمات التي نطقت بها في اجتماع أورلين عام 2009 تحت عنوان «الديار» سوى صدى للحاضر، حيث قالت: «إن الحدود المسامية يتم فهمها في بعض الأنحاء على أنها تهديد ما وفوضى معينة، وسواء كان الأمر واقعاً أو متخيلاً، فإن الحلّ يكون بالانفصال القسري».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات