ماسة منغيست تنشد أغنية حرب عصرية

«ملك الظل» مشهدية تأملية في الذاكرة والحرب والعنف

صورة

ها هي ماسة منغيست تنشد أغنية حرب عصرية، هكذا عنونت صحيفة «نيويورك تايمز» على أحدث إصدارات العام «ملك الظل» بقلم الروائية الإثيوبية الحائزة على جوائز وتقديرات النقاد والصحف العالمية.

ويلفت في بداية المقال أن تطرح الكاتبة، وهي الروائية الزامبية المشهورة ناموالي سيربيل أحجيةً تسأل فيها: «كيف ننشد أغنيةً للحرب؟ لا بدّ أن المسألة تبدو بسيطةً بالنسبة للذين يرسلون أبناءهم للموت في المعركة من أجل مفاهيم كالملكية والحدود، إذ يقولون لهم: أنشدوا الحرب بصوت عريض من أعماق قلوبكم وبكلمات من أمثال الوطنية والشجاعة والوفاء.

أما بالنسبة الذين يرثون موتاهم، كما في مرثيات الأبطال الشهداء، فلا بدّ للصوت أن يرتعش، أن يكون مشحوناً بالحزن وبشيء من التقوى. لكن ماذا عن المقيمين في القرن الواحد والعشرين، أولئك الذين يرغبون بالإحاطة بثقل الماضي المكتظ بالحروب، فيما يتخذون مظهر البوق المحذر من المستقبل؟

اجتياح إيطالي

إنها ماسة منغيست تبث النبض والأصالة في جزئية من التاريخ الإثيوبي، وتركز هذه المرة على الاجتياح الإيطالي لموطنها الأم في العام 1935.

وفي حين أن الخادمة هيروت، بطلة القصة ومسارها لأن تصبح جنديةً باسلة مدافعة عن الوطن، يشكلان صلة الوصل الرابطة لأحداث الرواية، إلا أن الكاتبة تنجح في التسلل خارج مشهدية الحرب والتركيز على الأفراد، مبديةً رأيها في كل من كارلو فوسيللي الكولونيل السادي في جيش موسوليني، وإيتورا نافارا المصورة والجندية الإيطالية المكلفة توثيق فظائع الحرب، وهالي سيلاسي الإمبراطور الذي يحمل همّ خراب البلاد على يد الإيطاليين.

تفتح منغيستي الستار على أحداث «ملك الظل» بمشهد إثيوبيا قبيل بدء الحرب العالمية الثانية، واجتياح إيطاليا الفاشية، وعلى امرأة اسمها هيروت تجلس على أرضية محطة قطار في العاصمة الإثيوبية أديس بابا، تحمل بين يديها صندوقاً حديدياً.

وقد سافرت المرأة إلى هناك، كما تخبرنا الروائية «لتتخلص من الرعب الذي يعاودها بلا دعوة. لقد نجحت في التوصل إلى أن تسلّم الأشباح وترسلهم بعيداً». وها هي تنتظر مالكة الصور، المصورة الإيطالية التي لم ترها منذ عقود. «لقد استغرق الوصول إلى حيث أنا طويلاً»، تقول منغيست، مضيفةً: «إن الأمر قد طال بها حوالي أربعين عاماً أو حياةً أخرى لتبدأ بتذكّر الشخص الذي كانت عليه يوماً».

وتحتل أهمية الذكرى، ذكرى من جاؤوا قبلنا والأشياء التي قد ننسى، جوهر «ملك الظل». وفي حين أن الرواية تبدأ وتنتهي في محطة القطار عام 1974، فإن غالبية أحداثها تجري في ثلاثينيات القرن، حيث يتعرّف القارئ إلى هيروت، الطفلة اليتيمة التي باتت تعيش اليوم مع كيدان وأستر، الثنائي الذي كان يعرف والديها. وإنها تعمل كخادمة وتعيش في غرفة «أصغر من الصندوق، في حفرة محاطةً بالطين والقش والسماد بلا فتحة تهوية».

خيال تاريخي

ومع أن خلفية الرواية تستند إلى الخيال التاريخي الدائرة أحداثه بمعظمها بين عامي 1935 و1936، إلا أنها تمنحنا بأسلوب منغيست النثري الجميل صورةً عن النساء خلف نيران الحرب، وروح هيروت القتالية المستلهمة من جدة الروائية المستعدة لخوض المعارك دفاعاً عن بلادها، وتخطي دور الممرضة ومسلية الجنود.

وها هي، حين يهرب الإمبراطور هايل سيلاسي إلى المنفى وتتخبط البلاد في متاهات اليأس، تطالعنا بمخطط للحفاظ على معنويات الجيش، فتساعد فلاحاً بسيطاً يحمل ملامح شبه مع الإمبراطور للتنكر ولعب الدور فيما تكون هي حارسته، وتلهم بقية النساء على التسلح والمحاربة بوجه الإيطاليين.

لكن كيف كان لها أن تتوقع شكل الحرب الخاصة بها التي ستخوضها كسجينة واحد من أكثر ضباط العدو لؤماً وقسوةً، ضابط أرغمها على الوقوف أمام عدسة إيتور ليوثق من خلالها بطشه وساديته؟ ويحسب لمنغستي موهبتها المؤثرة في خلق شخصيات تتشبث بالذاكرة.

فهيروت فتاة لا تنسى، فتاة سهلة التكيّف لكنها ليست خارقة، هشة لكن مصممة على ألا ترى نفسها الضحية «إنها هيروت ابنة فاسيل وغيتي، الحارس مرهوب الجانب لملك الظل».

على كثرة الأبطال، فإن نجم الرواية بل منازع هو أسلوب منغيست في كتابة رواية شجاعة، بمثابة نداء مذهل للعالم ليتذكر جميع الذين خسرناهم في دوامة عنف لا معنى لها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات