إضاءات قصصية على تاريخ النسيج وثقافته

«خيط ذهبي».. تاريخ العالم من عين إبرة

غيّر النسيج حياة البشر بطرق عدة، وألقت التطورات المستحدثة في صناعته بظلالها على مجتمعات بأكملها، عبر رحلة طويلة امتدت آلاف السنين، مروراً بالكتان والقنب والحرير والصوف والقطن.

وصولاً إلى مواد بدلات رواد الفضاء والتكنولوجيا الحيوية التي يجري اختبارها أخيراً على خيوط العنكبوت. إنه تاريخ طويل نسجت منه الكاتبة كاسيا سانت كلير كتابها الصادر حديثاً «الخيط الذهبي: كيف غيّر نسيج الأقمشة التاريخ؟»، والمتضمن قصصاً عدة عبر 12 فصلاً عن الأقمشة والحياكة كثقافة وتصاميم.

 

تبدأ القصص من البشر الأوائل الذين استخدموا الخياطة، وتمر على ثقافات مختلفة. فالملابس من الاحتياجات الأساسية للبقاء، وتلبيتها تتطلب تجارب سواء على جلود الحيوانات وغيرها. وفي قصص متتالية عن براعة البشر، تخبرنا سانت كلير أن أقدم الأقمشة في العالم عثر عليها في كهف بجورجيا، تعود إلى 34 ألف عام.

كما تسرد لنا سيرة قماش الكتان الذي استخدم في لف مومياء مصر، وحكايات طريق الحرير انطلاقاً من شمال الصين، والأشرعة الصوفية التي استخدمها الفايكنغ في الوصول إلى أمريكا قبل 700 عام من كولومبوس، وتنقل القارئ إلى حياكة كشكش الدانتيل الذي أثار غضب المتزمتين، والقماش القطني الأبيض الهندي الكاليكو الذي دفع بالثورة الصناعية.

وتذكرنا بأن تلك البراعة في تحويل الكتان والصوف والقطن والحرير والقنب إلى خيوط كانت، ولا تزال، عملاً تكنولوجياً يتطلب مهارة وأدوات، لكنه أصبح غائباً عنا بعد أن اعتدنا شراء الملابس الجاهزة والستائر وملاءات الأسرة، لكن النساء كانت تجهز خزائن العائلة بأسرها عبر العصور، وهو جزء كبير من تاريخ حياكة النسيج.

وقد عملت النساء ساعات طويلة لتحصلن على أجر زهيد، مثل صانعات الدانتيل في القرن السابع عشر، وعاملات مصانع الحرير اليابانية في القرن التاسع عشر، كما عاملات صناعة الملابس الجاهزة اليوم.

حقائق مذهلة

وتوضح سانت كلير كيف تم تجاهل النسيج بوصفه قيمة بذاته، تخبرنا كيف تخلص علماء الآثار من قماش الكتان الملفوف حول المومياء بدلاً من النظر إليه بوصفه حرفة بحد ذاته، على الرغم من سعي أوروبا وراءه كونه مصدراً للصباغة ومختلف الأدوية.

وتقول إن عالم الآثار هوارد كارتر بعد اكتشافه التابوت الملكي لتوت غنخ آمون في نوفمبر 1922، تخلص من 16 طبقة من الكتان ملفوفة حول جثمان الملك الشاب، وقد استغرق هذا منه ثمانية أيام كاملة، «لهول المصريين القدامى» الذين اعتبروا الكتان مشبعاً بمغزى قوي يشبه السحر.

وبقدر ما هي مذهلة تلك الحقائق والقصص عن الكتان، هناك مثلها عن الحرير. بدءاً من الأسطورة الشعبية عن شرنقة دود القز التي سقطت في فنجان شاي وذابت كاشفة عن خيوطها، وتحول هذا المنتج إلى سلعة ذات أهمية تجارية كبيرة للصين، وإلى مؤشر للثروة والرفاهية في جميع أنحاء العالم، حيث حرص الأباطرة الصينيون بعناية على إبقاء احتكارهم للحرير وعاقبوا كل من يصدّر ديدان القز للخارج بالموت، قبل أن تنتشر تربيته لاحقاً في أماكن مختلفة من العالم، لا سيما بلاد فارس.

لكن الحرير الذي شكل مصدر قوة في الصين، نظر إليه الرومان القدامى على أنه مادة للبذخ والانحلال الأخلاقي، حيث انتقده الفيلسوف سينيكا قائلاً إنه مستورد «لتتمكن نساؤنا المتزوجات من إظهار قدر كبير من أجسادهن للناس في الشارع كما في غرف النوم».

وبمـــوازاة الحرير في الشرق، صنع فالفايكنغ في أقصى الغرب أشرعة مراكبهم الطويلة التي شقت عباب البحار من الكتان والقطن والقنب والصوف.= ومثل الحرير، كان الصوف عبارة عن مورد مالي مهم في أوروبا، وقد شجع على المضاربة والربح ووسع الفجوة بين الفقراء والأغنياء.

تفاوت اجتماعي

فالتفاوت الاجتماعي كان منسوجاً في القماش، وكانت العروض الفاخرة طريقة للتعبير عن السلطة، وقد حظيت الأقمشة المطرزة والدانتيل بتاريخ معقد ومكانة اجتماعية، وشكلت حرفة مرتبطة بالنساء بتصاميم معقدة انتقلت عبر الأجيال، وكذلك شكلت ترفاً يستخدم لإظهار الثروة والذوق والمكانة الاجتماعية، قيمتها بوصفها مؤشراً اجتماعياً تقع في رقتها وصنعها وتكلفتها، كونها صور وجوه من القرنين السادس والسابع عشر، كما توضح اللوحة الشهيرة «صانعة الدانتيل» ليوهانس فيرمير.

ومع ذلك، يبقى القطن شكل النسيج الأبرز في الغرب، فالثورة الصناعية كانت عن القطن بقدر ما كانت عن أشياء أخرى. تفيد الكاتبة التي تقدم إحصاءات مذهلة من منتصف القرن التاسع عشر، أن شخصاً واحداً من أصل 65 شخصاً كان يعمل في تجارة القطن.

وتقول إن الأقمشة الاصطناعية خدمت أغراضاً عدة، وقد جمعت العديد من الأمثلة على كيفية استخدام الملابس في حملات إيفرست وفي أبحاث الفضاء وملابس السباحة في الأولمبياد، معربة عن اعتقادها أن استكشاف المناطق القطبية والجبلية كانت تعترضه عقبات المناخ إلى أن تم تطوير الأقمشة الاصطناعية القادرة على إبقاء جسم الإنسان دافئاً وجافاً في البرد القارص.

كما كتبت عن السباح الأولمبي مايكل فيلبس الذي لم يحصل على الميدالية الذهبية في سباق 200 متر سباحة حرة في بطولة العالم في روما عام 2009، بسبب قطعة نسيج من البوليمر. وتختم بالحديث عن الجهود الحالية لإضفاء الطابع التجاري على حرير العنكبوت في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، في حكايات أخرى مفعمة حيوية.

بعد كل ذلك، عندما تتداخل لغتنا مع القماش ونتحدث عن «أرواح معلقة بخيط»، أو «نسيج اجتماعي»، فإننا في الواقع نستعيد تقليداً يعود إلى ألوف السنين، وما يفعله كتاب سانت كلير هو الإضاءة مثل «خيط ذهبي» لامع على مغامرات من ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.

الكتاب:الخيط الذهبي.. كيف غيّر نسيج الأقمشة التاريخ

المؤلف:كاسيا سانت كلير

الناشر:هودر آند ستوتن

الصفحات:336 صفحة

القطع:المتوسط

طباعة Email
تعليقات

تعليقات