شرح الوصول إلى المعرفة الموثوقة

«إنسان النياندرتال».. البحث عن الجينومات الضائعة

يبحث كتاب «إنسان النياندرتال: في البحث عن الجينومات المفقودة»، في تطور البشر، إذ يسرد كيف أنّ عظاماً عتيقة منبوشة، وتقنيّات «بيولوجية» مبتكرة، قد أخبرتنا عن أصلنا، وعن الطرق والمنعطفات التي سلكها نوعنا البشري، ليصل إلى ما نحن عليه اليوم.

يسرد الكتاب، الذي نضعه بين يَدَيْ القارئ، الرحلة العلمية المؤدية لاكتشاف جينوم «إنسان النياندِرتال»، وهو شكل من أشكال الإنسان الذي سبق ظهور البشر المعاصرين المعروفين، وانقرض قبل نحو 30 ألف سنة. مؤلف الكتاب، هو رائد الفريق العلمي الذي أتمّ هذا العمل الضخم والرائع، عالم الأناسة التطورية، سفانته بيبو، الذي يشغل منصب مدير قسم الجينات في معهد «ماكس بلانك» لعلم الأناسة التطورية بمدينة لايبتزغ الألمانية، وقد عدّته مجلة «تايم» عام 2009، واحداً من الأشخاص الـ100 الأكبر تأثيراً في العالم.

شفرة وراثية

جاء الكتاب على شكل السيرة الذاتية، التي تبدأ من شغف المؤلف منذ طفولته بعلم المصريات، انتهاء بريادته في تقنيات قراءة الشفرة الوراثية لكائنات منقرضة، توّجها بقراءة جينوم «إنسان النياندِرتال» في عام 2010، وخلال هذه الرحلة العلمية الممتدة على مدار 30 عاماً، تتضح فوائد جمّة.

أولاً، يرسم الكتاب العملية التي يتقدّم بها العلم، ومراحل تكوّن الاكتشاف العلمي. ثانياً، يوفر الكتاب تأريخاً وشرحاً مهماً مبسطاً لتطور أهم التقنيات في علم الأحياء الجزيئية، مثل تقنيتيْ تفاعل البلمرة المتسلسل «التبم»، وسَلْسَلة «الدنا». أمّا ثالثاً، ففي الكتاب، تلك الدفعة الطموحة والشغف العلمي والمحاولة الدؤوب، التي يحتاجها عالمنا العربي لبدء الحركة الجادة باتجاه المستقبل، فهو يشمل في ما يشمله، الحياة العلمية للكاتب نفسه، وكيف تضافرت العوامل لتمكنه أخيراً مع مجموعته البحثية، من الوصول إلى إنجازات رائدة عديدة.

نوع مختلف

أمّا نتائج مشروع جينوم «إنسان النياندِرتال»، فقد منحت العلماء معرفة بالتغيّرات الجينية، التي جعلت من البشر بشراً، أيّ تلك التي جعلتهم نوعاً مختلفاً عن «النياندِرتال»، وعن بقية الرئيسات، كالشمبانزي، ليطوروا قدرات غير مسبوقة، مثل اللغة والثقافة والحضارة. ويمهّد هذا العمل، الطريق لمعرفة التغيرات الجينية التي لها علاقة بكيف يفكر البشر المعاصرون، وكيف يتصرفون.

هكذا يمنحنا الكتاب قدرة أكبر على فهم التاريخ البشري التطوري، متضمناً حركة البشر المعاصرين، والأشكال المنقرضة، ويعيد بناء أجزاءٍ مركزية في قصة التطور الكبرى التي عاشها كوكب الأرض، إنها تلك القصة التي لا تزال مستمرة، بسبب شغف الإنسان في البحث والتنقيب وسعة الأفق، وقوة الآلة التي يستخدمها، آلة البحث العلمي، التي لا تشبع.

وأخيراً، نستذكر أنه عندما وردت إلى الثقافة العربية في نهايات القرن 19، أنباء اكتشاف بقايا شبه بشرية، دار جدل كبير حول هوية تلك البقايا، وما إن كانت لبشر مثلنا، أو لبشر مختلفين، وماذا يعني ذلك. ومذ حينها، والمسألة مجال للتأويلات والاختلافات، حيث لم يتناول كتابٌ في العربية مسألة أصول البشر علمياً. وهذه الترجمة، هي جهدٌ لسدّ هذا الفراغ، إذ نقرأ كيف تطوّر نوعنا البشري، وكيف تفاعل مع الأنواع البشرية الأخرى قبل انقراضها. سنقرأ في هذا الكتاب، كيف غيّرت الاكتشافات العلمية من نظرة العلم لأصل البشر، وسنرى أنّ «الاعتقادات الراسخة» حول نقاء الأعراق البشرية، غير صحيحة بتاتاً، وأننا إذ نخطّ تاريخنا من جديد، فإننا نكتب مستقبل نوعنا البشري.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات