«واشنطن بلاك».. أعباء نفسية لنظام قديم - البيان

الخوف من الحرية في زمن انهيار العبودية

«واشنطن بلاك».. أعباء نفسية لنظام قديم

صورة

الخوف من الحرية في زمن العبودية، هو موضوع الرواية الجديدة بعنوان «واشنطن بلاك»، للكاتبة الكندية الغينية، أسي أدوجيان، التي سبق أن تم ترشيح كتابها «سوداوية نصف الدم» لجائزة مان بوكر.

يعالج الكتاب الأعباء النفسية التي خلَّفها انهيار نظام العبودية القديم على أصحاب البشرة السوداء والبيضاء، ويسرد سيرة حياة العبد الفتى واشنطن بلاك انطلاقاً من مزرعة لقصب السكر في بربادوس عام 1830، إلى أن يصبح رجلاً حراً في عالم مفتوح بلا انتماء إلى مكان أو أي شخص، حيث عبء الحرية والمسؤولية والشعور بالذنب.

سؤال

تستهل الرواية التي يسردها لنا الطفل واشنطن، ذو الـ11 عاماً، بوصف لأهوال التجربة الفظيعة للنظام القديم. وعبر تجارب من الرعب والمغامرات، تنهمك الرواية في الإجابة عن السؤال الآتي، الذي يوجهه واشنطن إلى المشرفة اللطيفة على المزرعة، بيغ كيت: «ماذا يعني أن يكون المرء حراً؟». فتجيبه: إنه التوجه إلى حيث تريد. لكن مع توالي قصص القتل والعقاب والقسوة العشوائية التي تقشعر لها الأبدان، تخبره أنها لا ترى مخرجاً إلا بالموت، فهو: «جزء من إيمانها القديم المتجذر في أراضي النهر المرتفع في إفريقيا، حيث الموتى يبعثون كاملين ليتمكنوا من المشي مجدداً بحرية».

لكن الصدف سوف تحرر واشنطن من وحشية العبودية بعد اختياره من قبل أخ مالك المزرعة، المستكشف والعالم كريستوفر وايلد، ليكون خادماً له. ونعلم أن كريستوفر لديه خطة لبناء آلة طيران واختبارها، وأن واشنطن يشكل جزءاً في تجاربه، وتدريجياً، يصبح واشنطن رفيقاً لكريستوفر مستمعاً إلى نظرياته ومرافقاً له للتل، حيث يجري تجميع آلة الطيران وإخضاعها للتجارب.

موهبة

ومع الوقت، يبدأ هذا الأخير في النظر إلى واشنطن كشخص صاحب مواهب غير عادية، لا سيما وأنه رسام موهوب، فيعقد العزم على إنقاذه من مزرعة أخيه. ويبدأ الاثنان بالنظر لبعضهما، العبد والسيد، بطريقة مغايرة. وعندما تُرتكب جريمة ويجري وضع مكافأة على رأس واشنطن، فإن الاثنين سوف يتخليان عن كل شيء، وسيلي ذلك رحلة هروبهما إلى موقع ناءٍ في القطب الشمالي. وبواسطة منطاد يهرب الاثنان من مزرعة باربادوس في فيرجينيا إلى نوفا سكوتيا ولندن وأمستردام والمغرب.

لكن طموح القصة لا يقف هنا، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فقد كانت رغبة الكاتبة ألا يلقى واشنطن بلاك مصيراً يمليه التاريخ، فمنحته مجالاً للصعود بسرعة فوق ظروفه ليعيش حياة من نسج مخيلته وذكائه وحساسيته؛ فهو فنان بالفطرة، كما روح ضائعة تتحرك عبر الرواية باحثة عن فكرة نائية حزينة عن الوطن. ويتحلى واشنطن بأفكار ومعرفة تبدو تتجاوز إرادته، كما أن الرواية بعناصر كثيرة من قصص المغامرات من القرن 19. ويجعل واشنطن حكايته آسرة، عندما يكتب بسرد جميل فكرة الهروب من المزرعة بمنطاد (كما يفعل هو وكريستوفر)، والهبوط على سفينة والتوجه إلى كندا، حيث يجدان والد كريستوفر الذي كان يعتقد أنه متوفى.

مرحلة

لكن الكاتبة، بوصف دقيق، ترسم عقل واشنطن الراجح. عندما يصل كندا يعلم أن هناك ثمناً لرأسه. وهو لا يفقد أبداً نذير شؤم متأصل وحقيقي بالكامل، على الرغم من العجائب التي يختبرها في هذا العالم. تجربته تلك للعالم الطبيعي يتم تقديمها في نثر يسعى بوضوح لاستحضار الجمال كما عندما يذهب للغطس: «كم كان العالم مضيئاً في المياه الضحلة. يمكنني رؤية كل الضوء الذهبي للصباح المحتضر. يمكنني رؤية الحطام يتحرك ويعود إلى الحياة. أهداب زرقاء أرجوانية ذهبية تحولت في الأصفر المائي لأشعة الضوء المتقطعة للأسفل. وفي التمويه المطلي تمكنت من التقاط العيون اللامعة للجمبري الغريبة والصارمة».

يصادف في كندا تانا غوف ووالدها العالم في مجال الطبيعة، الذي يصبح حامياً له ويفتح أمامه باب دراسة العالم الطبيعي. وبسرعة، يبدأ الكتابة بسهولة عن عينات الأنواع وحمض الكربونيك والأوكسجين والتمثيل الضوئي. وتبدأ نوع من علاقة رومانسية بينه وناتا، علاقة يجري التعامل معها برقة وتكتم. ومع عائلة غوف، يتجه واشنطن إلى لندن ليعمل على تشكيل متحف جديد لعرض مخلوقات حية من الأعماق.

لكن بغض النظر إلى أين الاتجاه، يتنازعه دائماً استعداد لاعتناق العالم مع إحساس داخلي بالاغتراب. لقد فاز بالحرية لكنه لم يتخلص من التجارب التي مر بها. فبعد سنوات من إلغاء العبودية، لا يزال واشنطن يشعر بأنه مطارد بشبحها بشكل صياد مكافآت، في تجسيد للاستعباد الداخلي. مرعوب بحريته الأولى، فإنه يمضي سنواته التالية محاولاً التخلص من جروحه الداخلية. حتى قبل انفصاله عن بيغ كيت، كان يشعر بخوف وجودي من قدرة حريته على إصلاح هويته، والطبيعة الرهيبة لعالم مفتوح، حيث لا انتماء لمكان أو شخص.

شخصية واشنطن المعقدة، براءته ومعرفته، وإحساسه بالعجب في طبيعة الأشياء، تشير إلى عدة طبقات لإبداع الذات. من حقول قصب السكر في الكاريبي إلى أقصى شمال الكرة الأرضية، ومن أحواض السمك في لندن إلى الصحراء في المغرب، فإن النثر مشغول بتساؤلات أودجيان الفكرية ونثرها الجميل، بقصة عن عالم مدمر ومصنوع مجدداً، عما تعنيه «الحرية الحقيقية».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات