عرض بالغ التكثيف لتاريخ الكتاب في العصر الحديث

«مكتبات العالم».. سياحة فكرية في أشهر دور الكتب

في لغة الإغريق، وهي تعد، مع اللغة اللاتينية، من أسس اشتقاق الكلمات والمعاني في الإنجليزية وشقيقاتها من اللغات المسماة بالهندو-أوروبية، نصادف المصطلح «ببليو»، وهو ينصرف أساساً إلى معنى «الكتاب»، ومن ثم يتوزع إلى الطروحات المرتبطة بالكتب والفهارس، بما في ذلك أيضاً المواقع والمؤسسات التي تتعامل مع الكتاب: فهرسة وحفظاً وصيانة واطلاعاً. أشهرها في عصرنا اسم «ببليوتيكا الإسكندرية»، المؤسسة التي تُطل في مصر على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

وبالمناسبة، لاتزال القاهرة تحتفظ في قلب أحيائها التراثية، حيّ «باب الخلق» القريب من الجامع الأزهر، بواحدة من أقدم مكتبات الوطن العربي في العصر الحديث، وقد تأسست في عهد الخديوي إسماعيل (1830-1895) تحت اسمها الشهير «الكتبخانة»، وكان طبيعياً أن يتحول الاسم في صيغته اليعربية ليصبح «دار الكتب»، التي لا تزال تضم متحف الفن الإسلامي بكل ما يحفل به من مخطوطات ومؤلفات ومقتنيات.

من هنا يأتي اهتمامنا بالكتاب الصادر في أميركا خلال شتاء العام الماضي ليحمل عنواناً مباشراً، هو «المكتبات»، ولتوضيح مضامينه، لا بد أن نذكر أنه يقصد، دور بيع وتداول الكتب المنشورة، بعيداً عن مجاميع الكتب أو المكتبات الخاصة التي مازال أفراد المثقفين مولعين باقتنائها وتبادلها والاحتفاظ بها والرجوع إليها، لا سيما في حالة الأكاديميين والمؤلفين، ومن لا تزال الكلمة محوراً لحياتهم واهتماماتهم ومسيرتهم المهنية على السواء.

وربما يزيد من قيمة هذا الكتاب ما يتمثل في أن مؤلفه، الصحفي، الإسباني خورخي كاريون، أودع فصول الكتاب ما يمكن أن يشكل جولة أو سياحة فكرية، قام بها المؤلف شخصياً، عبر عدد من دور الكتب الشهيرة في عصرنا الحاضر، وهي جولة حملته إلى مؤسسات محورية في سوق بيع وشراء وعرض الكتب في أقطار شتى: ما بين «غرين آبل» في سان فرانسيسكو، إلى «ستراند» في نيويورك، ومكتبة «شكسبير» في باريس، ومكتبة «ويلز» في إنجلترا وليس انتهاءً بمكتبة «طنجة» في المغرب العربي.

مثل هذه الجولة، من شأنها إثارة أشواق القارئ العربي المثقف، حين يستدعي إلى الذاكرة العربية المعاصرة، أسماء مؤسسات كان لها دور فعال في تاريخ الثقافة العربية، والاستنارة الإنسانية، ما بين مكتبات «بيت الحكمة» في بغداد المأمون العباسي، ومكتبات غرناطة وطليطلة في الأندلس، ومكتبات الجامع الأموي في دمشق، ومكتبات الجامعة الأميركية في بيروت، ومكتبات الزيتونة في تونس وغيرها.

وبينما يحكي المؤلف، في لغته الإسبانية، وفي ترجمة إلى الإنجليزية أنجزها بيتر بوش، عن وقائع الحياة ودورات النشاط في أروقة تلك الدور التي تتعامل مع كائن اسمه «الكتاب» على اختلاف نوعياته وتوجهاته، لا يملك القارئ المتمعن سوى أن يخالطه شعور أقرب إلى الأسى الذي لا يلبث أن يتحول إلى شعور أقرب إلى الخشية، إزاء ما هو متصوَّر من حلول زمن بعيد أو قريب تغرب فيه شمس الكتاب الورقي كما نعرفه، وكما عايشناه وقرأناه لصالح الوافد المقتحم القادم على جناح أثير إعلام الاتصال الإلكتروني.

وعبر مراحل هذا البحث، لا يفوت مؤلف الكتاب، أن يقدم عرضاً بالغ التكثيف لتاريخ الكتاب في العصر الحديث، حيث يركز على محاولات إنتاج الكتب في الصين وحتى العبقري الألماني غوتنبرغ، الذي نقل الكتاب من كهوف النسخ اليدوي إلى عصر الحرف المطبوع.

لا يفوت المؤلف أيضاً أن يعرض للمصائر السلبية والمشاكل التي كابدها مؤلفو الكتب ومنتجوها، خاصة خلال عهود المصادرة والعسف الديكتاتوري، يستوي في ذلك زمن ماوتسي تونغ في الصين، أو حقبة هتلر النازية في ألمانيا أو حكم الفاشست وموسوليني في إيطاليا.

ثم يستكمل المؤلف هذا المبحث حين يتوقف ملياً عند الحالات التي شهدت سيوف المصادرة على آراء المؤلفين والمبدعين، لا لأسباب سياسية، ولكن لأسباب ترتبط بحالات الرفض الاجتماعي، ودعاوى الاستنكار التي جوبهت بها شخصيات صودرت أعمالها، ومنهم مثلاً جيمس جويس الأيرلندي أو د. ه. لورنس الإنجليزي أو هنري ميللر الأميركي أو تشارلس بودلير الفرنسي وغيرهم.

على أنه من طرائف ما رصده المؤلف عبر سطور كتابه، تلك الحالات التي شهدتها المكتبات الشهيرة التي عرض لها على امتداد الفصول، ومنها ما لاحظه خلال جولته في مكتبة «كيب تاون» بجنوب أفريقيا: يومها أراد العثور على مؤلفات مبدعين كبار في قامة بول كويلهو أو غابرييل ماركيز أو ج. كوتزي.. ساعتها لاحظ الكاتب أن الأرفف، فارغة اللهم إلا من بطاقة تحمل عبارة «من فضلك اطلب هذه الكتب من المكتب الأمامي»، ولما اتجه إلى المكتب المذكور سائلاً عن السبب جاءته الإجابة، بأن «مؤلفات الثلاثة هي الأكثر تعرضاً للسرقة».

وقبل أن يتدبر القارئ هذه المعاني.. يبادره المؤلف أيضاً بمعلومة مستجدة أخرى يقول، فيها: «... للعلم فإن أكبر مكتبة في برشلونة (إسبانيا) أغلقت أبوابها في 2013، بعد 89 سنة من خدمة القارئين، وكان أن أنشأوا مكانها مطعماً لبيع الوجبات السريعة، على الطريقة الأميركية بطبيعة الحال».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات