نمور شرق آسيا وتجاربهم الناجحة

نموذج ارتباط الدولة التنموية ومنظومة الانتاج

تجمع الفصول السبعة لكتاب»الترابط الإستراتيجي..العلاقة بين الدولة التنموية ومنظومة الإنتاج /‏‏نمور شرق آسيا وتجاربهم الناجحة»، لمؤلفه هنري واي- شونغ يونغ، بين الاستعراض والاستشراف في آن معاً: «الاستعراض» بالنسبة لتجارب النمو والتطور في أقطار جنوب شرقي آسيا (النمور الآسيوية كما كانت تعرف في أواخر القرن الماضي). و«الاستشراف» لآفاق استمرار تجارب التنمية والتطور ــ التقدم، على صعيد تلك الأقطار في ضوء متغيرات العولمة.


وتناول المؤلف في الاستعراض، دور «الدولة التنموية» في احتضان تجارب النمو ومؤازرتها، بالاقتران مع مؤسسات التصنيع، فيما تناول الاستشراف مآلات هذه التجارب من حيث نضجها ونتائجها المثمرة، بحيث بات الأمر يستوجب استقلالها عن الدولة والاهتمام بقدراتها على خوض غمار المنافسة في عالم تنظمه حالياً قوانين العولمة الاقتصادية.


في الهزيع الأخير من القرن الماضي.. بدأ العالم يسمع عن ظاهرة اقتصادية مهمة، كانت تتجلى في الأصقاع الجنوبية الشرقية من القارة الآسيوية. وهي الأصقاع نفسها التي طالما عانت من أوضاع فادحة السوء: حرب الأفيون في الصين..آفة الاستعمار الفرنسي في لاوس..حرب أميركا في فيتنام.

ومن هنا كان على عالم العقد الأخير من القرن الماضي، أن يفتح عينيه جيداً، وهو يسمع عن المصطلح المستجد أيامها:.. النمور الآسيوية. إنها مجموعة بلدان جنوب شرقي آسيا التي نفضت عن كاهلها مواريث السيطرة الكولونيالية، وانطلقت لا تلوي – كما يقولون- على شيء في طريق التحولات الجذرية، وعلى الجبهة الاقتصادية أولاً.


صحيح أن «النمور الآسيوية» واجهت أزمات بالغة الصعوبة مع مغيب القرن العشرين، إلا أنها ظلت صامدة يدفعها الإصرار، والقومي منه بالدرجة الأولى، على مواصلة المسير على الطريق ذاتها، خاصة وأنها ظلت تعتمد نهجاً راشداً تجسده العبارة التالية:

دولة التنمية (أو الدولة التنموية). وهو النهج الذي ظلت كيانات «النمور الآسيوية» مصرّة على اعتماده وتفعيله، على مدار الفترة الزمنية من بدايات الستينيات وحتى آواخر الثمانينيات من القرن العشرين. وهذا هو النهج الذي يناقشه الكتاب، الصادر في أواخر عام 2016، والذي يدور حول تجربة التحولات الصناعية (أو التصنيعية) في أقطار جنوب شرقي آسيا، وعلاقة هذه التحولات بواقع اقتصاد العولمة الراهن.


وعبر طروحات الكتاب (الفصل الثاني بالذات)، يعرض المؤلف لأبعاد العلاقة البنّاءة، كما يتصورها، بين الدولة في أقطار جنوب شرقي آسيا وبين قوى التصنيع وفعاليات الإنتاج في تلك البلدان.

ويتابع المؤلف ما شهدته تجربة تلك البلدان التي كانت منذ ستينيات القرن الفائت، تتدرج على طريق النمو بعد فترات طويلة من سبات التخلف، واتسمت هذه التجربة باستدعاء، بل تفعيل، دور الدولة بكل أجهزتها بحيث وقع الربط بين هذا الدور وبين دور مؤسسات التصنيع والإنتاج، وبمعنى قيام علاقة عضوية فاعلة بين الدولة و«البيزنس» في جنوب شرقي آسيا، أو بين أطراف التنظيم والتنفيذ.

وهو ما عاد بفوائد جمّة وأثمر إيجابيات ملموسة في دنيا الاقتصاد على صعيد تلك الأقطار، وكان في مقدمتها: كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة. فهنالك، شكلت الدولة ما يصفه الكتاب بأنه «الحاضنة» لمشاريع الإنتاج ومؤسسات التصنيع.


إن المعنى الذي نلاحظه من استعراض الفصول السبعة التي تضم محاور الكتاب، إنما يتمثل في ما رصده المؤلف ثم فيما يدعو إليه عبر هذه الفصول تعزيز الارتباط، وبناء على الاستفادة من تجربة النمو الاقتصادي والتكنولوجي المرموق الذي تحقق في جنوب شرقي آسيا، بين كيان الدولة ومنظومة الإنتاج .

حيث كانت الدولة، حاضناً ورائداً وموجِّهاً بل وحامياً في بعض الأحيان.. لكن المنظومة المذكورة أعلاه ما لبثت أن دخلت في طور النضوج، وكان أن استكملت أسباب القدرة على الانطلاق المباشر والتطور الذاتي.

وهنا أيضاً يرصد المؤلف، عاملاً مستجداً وفاعلاً بكل المقاييس. وهو عامل التحولات الجذرية والمذهلة أحياناً في أساليب الإنتاج، التي يراها وقد تجاوزت قدرات الدول ورؤى الحكومات في بعض الأحيان، ويتمثل هذا العامل المحوري في ما تحقق من إنجازات وتحولات بفضل استخدامات الحاسب الإلكتروني وشبكات المعلومات الكوكبية وتكنولوجيات المعلومات والاتصالات.

 

الكتاب: الترابط الإستراتيجي..العلاقة بين الدولة التنموية ومنظومة الإنتاج

المؤلف: هنري واي- شونغ يونغ

الناشر: جامعة كورنيل

عدد الصفحات: 312 صفحة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات