روح تعاضد تؤدي جملة وظائف إنسانية واجتماعية

زمن المواساة.. الكنز المفقود

صورة

من العادات التي كانت سائدة في المجتمعات القديمة، بما في ذلك المجتمعات الغربية، هناك الحرص على مواساة الآخرين والوقوف بجانبهم عند وقوع الشدائد. وكانت مسألة المساواة في صميم الفكر الفلسفي الغربي منذ الفلسفة اليونانية القديمة.

كانت الفكرة السائدة دائماً، أنه لا يمكن للمواساة أن «تزيل ألم الخسارة والغياب»، ولكنها «تكسر عزلة المصاب»، وتساعد على «تجاوز اللحظات الحرجة» لاستئناف مجرى الحياة العادية. من هنا بالتحديد، كانت المواساة منذ الزمن القديم بمثابة فعل اجتماعي بامتياز.

والفيلسوف الفرنسي «ميكاييل فوسيل»، صاحب العديد من الكتب، والذي يبرز أكثر فأكثر في المشهد الفكري والثقافي الفرنسي، يحاول في كتابه الأخير، أن يعيد لمفهوم «المواساة» مكانته في العلاقات الإنسانية والاجتماعية، التي يصفها بـ «الغامضة»، ويقوم بتحليل دوره المجتمعي في ما هو أبعد من المفاهيم الفلسفية المجرّدة. يحمل الكتاب عنوان «زمن المواساة».

والإشارة بداية، أن «المواساة» تعني بالمعنى الشائع لها، أن يتقاسم الإنسان مع القريبين منه وأصدقائه، عبر الكلام أو غيره، لحظات الفجيعة والألم التي يعانون منها بسبب مصاب، كرحيل عزيز أو التعرّض للنفي أو الاضطرار للعزلة، أو فقدان الثقة بـ «مثل أعلى»... إلخ.

بكل الحالات، يؤكّد المؤلف على الربط بين «المواساة» وبين مفهوم «الخسارة». و«المواساة»، كما يستخدمها، لا تعني محاولة دفع المعني بها لنسيانها، بل بالأحرى «العيش معها». ويشير أن إحدى مهمّات الفلسفة منذ القديم، تمثّلت في «المواساة».. كما يبدو في كتابات أفلاطون، ثمّ في «رسائل المواساة» في العصر الكلاسيكي الغربي، ووصولاً إلى عصر التنوير.

لكن المؤلف يؤكّد في هذا السياق، أنه «مع وصول العلم» وبروز ملامح الثورة الصناعية الكبرى «أخذت ركائز الاستقرار الاجتماعي والحرص على مواساة الآخرين في أحزانهم بالتآكل والتصدّع».

وباسم العقلانية أيضاً، بدأت «ملاحقة الأوهام»، وبالتالي «اهتزّت الكثير من القناعات» التي كانت قائمة دون بروز قناعات ثابتة أخرى تخدم كركائز استقرار جديدة. لكن الأمل في قيام «عالم أفضل» في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي «لم يتحقق».

بل برزت ظواهر ازدهار الرأسمالية، وقيام الأنظمة الشمولية، وتعاظم النزعات الفردية. ويشير المؤلف إلى أنه في سياق «خيبات الأمل»، شاع الحديث عن «نهاية الإيديولوجيات» و«نهاية التقدم» و«نهاية الآمال»... وغير ذلك من «النهايات» في مختلف الميادين.

ومما يؤكّده المؤلف بالنتيجة، هو أن «فن المواساة»، وما يحمله من دلالات اجتماعية، هو في طريقه لـ «الانقراض» في الغرب الحديث.. بالمقابل، غدت هذه المهمّة مناطة بشكل رئيس باختصاصي علم النفس. ولم يعد من غير المألوف أن يتوجّه أولئك الذي يتألمون لسبب ما إلى «المعالج النفساني»، بينما لا يولي الذين يحيطون فيه الكثير من الاهتمام لما يعاني منه.

وإشارة المؤلف إلى أنه ليست قليلة هي الحالات التي يتمّ فيها توجيه النصيحة للمعني بـ «تناول العقاقير المضادة للاكتئاب»، أو أن يشار له بضرورة أن «يحتفظ بألمه لنفسه». ذلك وكأنه يراد أن يقال إن «الكآبة تنتقل بالعدوى». والمؤلف يشرح على مدى صفحات الكتاب، مدى خطأ مثل هذه الأفكار.

بل ويذهب إلى حد القول إن «المواساة الحقيقية» تمرّ عبر احترام حزن الآخر على أنه شعور إنساني. بل والقيام بما تمليه «مواساة الآخر» من ممارسات تنمّ عن «روح التضامن الاجتماعي».

الوجه الآخر لمثل هذه الدعوة للتضامن، يشير إلى رفض المؤلف للحضارة «الحديثة»، «الشبابية»، «حضارة اللحظة». لكن دون إظهار أي نزعة حنين للماضي، بل دعوة للتضامن والمواساة حيال «لحظة كآبة» يفرضها الواقع، وينبغي العمل ومساعدة المعنيين بها على تجاوزها.

ذلك على أساس أن الحضارة الحديثة السائدة في العالم الغربي «العقلاني» الرأسمالي الفردي «لم تفِ بالوعود التي كانت قد قطعتها». هذا مع استثنائيين أساسيين، يحددهما في مجالي «التقدم التكنولوجي والمعارف العلمية». لكنها أخفقت في ما يتعلّق بـ «تحرير الأفراد» و«تحقيق السلام بين الأمم». ويرى أن هذه الإخفاقات خلقت أكثر فأكثر حاجة البشر لـ «المواساة».

ويشرح المؤلف أن الإغراق في «التجريد العقلاني» بكل ما يتعلّق بالمعارف الحديثة وتجريدها من مضمونها الإنساني، أمر «يبعث اليأس». ويشير إلى أن من يجتاز اليوم «ألم فجيعة» أو «أمر محزن ما»، يتم تذكيره غالباً أن «الأمر طبيعي» و«سيمضي» ولا يعني أحداً غيره.

وبهذا المعنى أيضاً، يرى المؤلف في «المواساة» طريقة كي يثبت أولئك الذين يعيشون في نفس المجتمع، أنهم «يعيشون معاً»، رغم أنهم يعيشون في حالة «انفصال» خلال حياتهم اليومية. وفعل المواساة لا يمكن أن يرقى إلى درجة المشاركة الفعلية، ولكنه يحاول تخفيف الألم الذي يسببه للمعني فيه. ومحاولة إقناعه أنه يمكن الإقبال على الحياة، وليس «الانعزال ضمن دائرة المستحيل».

ومن خلال التعرّض لمفهوم «المواساة» ولوظيفته الإنسانية والاجتماعية، يبيّن المؤلف مدى «القطيعة» التي قامت بها المجتمعات الغربية الحديثة مع «النماذج ــ الموديلات ــ القديمة التي كانت تجد في «التعاضد الاجتماعي» و«مواساة الآخر»، أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها. يشير المؤلف إلى أن ذلك الذي كان يقوم بـ «المواساة»، هو ذلك الذي يريد إثبات أنه «يستطيع أن يقدّم معنى متكاملاً للتجربة الإنسانيّة».

ولا يتردد ميكاييل فوسيل في التأكيد على مدى صفحات هذا الكتاب، أن النزعة الفردية المفرطة في المجتمعات الغربية، تحت غطاء العقلانية، تجعل «الكآبة» من الآفات الأشد فتكاً بالنسبة للبشر في عزلتهم. ويطالب بالمقابل، بضرورة تبنّي «سياسة مواساة» يتم من خلالها التعبير «جماعياً» عن المشاكل ومصادر الألم التي لم يعد من السهل البوح بها. باختصار، يطالب باستعادة المجتمعات الغربية الحديثة لروح التعاضد التي تطلّبها حاجة البشر الملّحّة لها، ولإحياء «زمن المواساة».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات