العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    كيف تكون محافظاً.. فكر له تاريخه ومعاييره

    يحتوي توصيف «النزعة المحافظة» في السياق الحديث الراهن نوعا من «حكم القيمة» الذي يقرّب الموصوف به أنه في «صفّ الرجعية»، حسب القاموس السياسي الشائع. لكن الفيلسوف البريطاني المعاصر «روجيه سكروتن» له رأي آخر تماماً مفاده أنه يمكن للمرء أن يكون محافظا «دون أن يكون رجعيا». وهذا بالتحديد ما يحاول أن يشرحه في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «كيف تكون محافظا».

    أحد الأفكارالأسياسية التي تدور حولها تحليلات هذا الكتاب تكمن في قول المؤلف إن الهوية «المحافظة» تعبّر عن تيار فكري «ليس اللبرالية بكل مقولاتها» و«ليس عقيدة جامدة ترفض كل تغيير». وهذا بالمعنى الذي صاغه فيلسوف محافظ آخر هو «بورك» مفادها: «إن دولة لا تمتلك أدوات التغيير لا تملك بالتالي إمكانيات المحافظة على نفسها».

    وفي هذا الكتاب «كيف تكون محافظا» يسترجع مؤلفه مسيرته الشخصية نفسها للتدليل على أن فكرة «المحافظة» ليست مرتبطة بالمنبت الاجتماعي «الثري» ، فهو سليل أسرة في غاية التواضع من كمبردج وعانى كثيرا في مسيرة دراسته الجامعية ومن الأوساط التي تعرفها الجامعات البريطانية.

    أمّا المسار الذي أوصله لتبنّي التيار الفكري المعاصر فقد انتقل به من الرأسمالية إلى الاشتراكية بعد المرور لفترة من الزمن في الاقتراب من الفكر القومي الذي يرى فيه مزيجا يختلط فيه ما هو رائع وما هو مشين وحيث يرى أيضا أن التيار الفكري المحافظ يمثّل بالوقت نفسه نقطة الوصول القصوى للفكر القومي وتجاوز ذلك الفكر. وفي جميع الحالات يؤكّد المؤلف ــ الفيلسوف على «ضرورة أن يبقى التمييز بين الغايات والوسائل في أساس السياسة العميق».

    ويؤكّد «سكروتن» في تحليلاته أنه على المستوى التاريخ الفكري الأوروبي «ورث المعنيون جماعيا أشياء جميلة وأنه عليهم المحافظة عليها». بل يذهب إلى ما هو أبعد من المجتمعات الأوروبية ليجعل من «المحافظة» سمة إنسانية كونية..

    ويشرح المؤلف كيف أن النزعة المحافظة تشكّل بالصيغة الشائعة اليوم لها في الغرب لها جذورها التاريخية التي تعود تحديدا إلى ما يسمّى بـ «عصر التنوير» في القرن الثامن عشر وإلى فترة «الإصلاح» التي أعقبت الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789.

    ويؤكّد أنها تصرّفت من موقع المواطن البريطاني «المحافظ» الذي ساءه ما وصلت إليه الأمور في بلاده من تراجع على الصعيد الداخلي ومن تقهقر لجملة «صُنع في انكلترا» من الأسواق العالمية. وامتلكت في الوقت نفسه إرادة «الإنقاذ» على أساس القيم الموروثة المترسّخة لدى الطبقة الوسطى البريطانية.

    إنه كتاب عن الفكر المحافظ وتاريخه ومعاييره وماضيه وحاضره وما ينبغي أن يكون عليه مستقبله. وهذا كلّه بقلم أحد فلاسفته الذي يبدو كأنه يكتب فيه «وصيّته».

    طباعة Email