قاموس عاشق لستندال

يقدّم الأكاديمي الفرنسي دومينيك فرنانديز، آخر أعمال سلسلة "قاموس عاشق لـ..." الصادرة عن دار نشر "بلون وغراسيه" في باريس، والتي تجاوزت "100 قاموس"، آخرها، والذي يحمل عنوان: "قاموس عاشق لستندال".

"ستندال" هو الاسم الأدبي الذي اشتهر فيه هنري بيل، صاحب العمل الروائي الشهير: "الأحمر والأسود". ولا يخفي مؤلف القاموس أنه "ستندالي الهوى"، ويصف بطله ـ ستندال ـ في مقدمة العمل، أنه من مواليد مدينة غرونوبل الفرنسية، لكن قلبه يميل إلى ميلانو الإيطالية.

ويؤكد أنه كان يهوى كثيرا استخدام الأسماء المستعارة التي كان "ستندال" واحدا منها. ويؤكد أيضا أنه رغم إعجابه الشديد بما كتبه صاحب "الأحمر والأسود"، فإن الرجل وسيرة حياته الحقيقية، كما عاشها مع المقرّبين منه ومع مجتمعه، لم تكن على مستوى موهبته الأدبية، نفسه.

يقدم المؤلف، وعلى مدى أكثر من 800 صفحة، "ستندال"، الأديب والشخص، بمختلف مظاهر حياته ومن "الألف إلى الياء"، كما تقتضي طبيعة القواميس. وكطبيعة القواميس أيضا، يمكن للقارئ أن يبدأ مشروع "تعرّفه" على ستندال، من أي مدخل يشاء.

وفي مقابل رفع ستندال إلى مصاف "النجوم الساطعة" في سماء الأدب الفرنسي، يصنف المؤلف هذا الرجل في خانة البشر "ذوي الأهمية العادية". ويعلن أن محبّة الأديب لم تمنع فرنانديز من تقديم جميع الحجج، التي تدفع القارئ للوصول إلى نتيجة مفادها، أن هنري بيل لم يكن إنسانا جذّابا وقريبا إلى قلب الآخرين، بل عكس هذا تماما.

وذلك وصولا إلى طرح الأسئلة حول عبقرية صاحب "الأحمر والأسود"، التي وضعته على مصاف كبار المبدعين العالميين مثل تولستوي وتشيخوف ونابوكوف وغيرهم. وما يمكن تأكيده هو أن استخلاص مثل تلك النتيجة السلبية عن شخصية "ستندال"، لم يكن هدف فرنانديز، إنما كان واقعيا، نتيجة الملامح والسمات التي قدّمه فيها إلى القرّاء.

إن النهج المتمثل بالإعجاب والنقد بالوقت نفسه، هو السائد في جميع مداخل الكتاب- القاموس. ولا ينبغي أن ينسى القارئ أن هذا القاموس يحمل صفة "عاشق"، وبالتالي عندما يحب الإنسان، يكون مؤهلا بسهولة للصفح والغفران.

وفي المدخل الخاص بعلاقة ستندال بالمرأة، يبيّن "فرنانديز" أن صاحب "الأحمر والأسود"، جعل من عاطفة الحب الجامحة محورا أساسيا في أعماله الأدبية وفي اهتماماته. لكن على صعيد الواقع والحياة، فإن حصيلة ستندال كانت سلسلة من الفشل.

وهذا ما جعله يبدو وكأنه "يحب الحب وليس المرأة"، كما نقرأ، أو كأنه كان مأخوذا "في الحياة كما في رواياته" بعملية "ولادة عاطفة الحب"، دون أن يولي بعد ذلك أهمية كبيرة لـ"ما يأتي بعد الولادة"، بل كان "لا مباليا" بما يأتي بعد "الفوز بقلب الآخر".

وفي المدخل الذي يحمل عنوان "النساء"، يصوغ مؤلف الكتاب- القاموس، فرضية مفادها أن ستندال كان يريد أن يجعل من المرأة مجرّد مادة لأعماله الأدبية. وهذا ما يعبر عنه بالسؤال التالي: "ألم يكن يبحث لدى المرأة، قبل كل شيء، عن مادة لأعماله"؟ وينهي فرنانديز المدخل ذاته، بسؤال آخر: "ذلك الرجل الذي اشتهر بحبه للنساء، هل كان يحبهن حقيقة؟ ..إنه بالأحرى كان يحب نفسه، بناء على سمة الأنانية المتأصلة لديه".

أحد التفسيرات التي يقدمها المؤلف أيضا لذلك، تكمن في قوله ان ستندال، كان لا يحب طفولته في مدينة غرونوبل. وكان يكره بدانته الجسدية وعدم امتلاكه أية جاذبية". وكانت سلسلة ما يكرهه طويلة، بحيث شملت الشعب وفرنسا والرومانسية الألمانية في الموسيقى.

وفي العديد من مداخل الكتاب- القاموس، يؤكد دومينيك فرنانديز، النزعة الفردية، الراسخة في شخصية ستندال، وفي سلوكيته الحياتية. مع الإشارة إلى أنه لم يكن فيلسوفا. إنما كان شديد الإعجاب بالفيلسوف فريديريك نيتشه، صاحب مقولة "الإنسان المتفوق": "السوبرمان". إذ إنه ترك بالمقابل، بصماته على الفكر الفرنسي.

وذلك ليس بواسطة إيديولوجية ونظريات متكاملة، ولكن بالأحرى على أساس سلوك ذهني، يلخصه فرنانديز بالصيغة التالية: "ذلك الأناني الذي تزيّن بصفة الأنانية، وذلك المشوش في مجال السياسة، وذلك الكاتب الذي يفتقر الأسلوب، ومن اتخذ من النثر الحيادي على طريقة سجلاّت الأحوال الشخصية. إذ يبقى من بين الكتّاب الكلاسيكيين للقرن التاسع عشر، الأكثر حيوية والأكثر جدّة.

وهو ذلك الذي قال: أنا. ولم يتمسّك سوى بما كانت تمليه تلك الأنا. وعرف كيف يبقى شابا أبديا . والأدب ليس في النهاية، شيئ آخر غير الإخلاص العنيد للذات. وهكذا نتبين في الكتاب، أنه كان ستندال يائسا بفرح. وهذا ما جاء عنه في أحد توصيفات الكتاب. ولعله التوصيف الذي ينطبق كثيرا على من جاؤوا بعده.. ولذلك لا يزال قراؤه كُثراً.

 الكتاب: قاموس عاشق لستندال

المؤلف: دومينيك فرنانديز

الناشر: بلون - غراسيه- باريس- 2013

الصفحات: 818 صفحة

القطع: المتوسط

Dictionnaire amoureux de Stendhal

Dominique Fernandez

Plon- Grasset - Paris- 2013

818 pp.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات