الذهب العائم

للبحار والمحيطات أسرارها ولؤلؤها، ولكنها أيضاً مصدر "العنبر الأشهب، أو الرمادي". هذه التسمية جاءت بوضوح من كلمة عنبر العربية. لكن المادة هي نتاج عملية بيولوجية تحدث في جوف بعض الحيتان. وهي مادة تفوح منها رائحة جميلة، وهي صلبة، ويتراوح لونها بين الأسود والرمادي. وكان يعثر عليها غالباً طافية على سطح البحار والمحيطات. ومن هنا بالتحديد جاء عنوان كتاب عالم الحياة والصحافي الأميركي كريستوفر كيمب، الذي يكرّسه لـ"الذهب العائم".

الخطوة الأولى التي يقوم بها المؤلف، تقديم لمحة تاريخية سريعة لـ"العنبر الأشهب" الذي نظر إليه في البدايات ولفترة طويلة من الزمن، على أنه ناجم من تقيؤ الحيتان أو من لعاب التنين. أو أنه نوع من الفطر أو من نسغ الأشجار. واعتقد البعض أنه إجاص أعماق البحار.

 وفي كل الحالات يشير المؤلف، إلى أن ملك بريطانيا شارل الثاني، اهتم به لغرابة شكله وخلطه مع بعض مآكله. كما فاخر الصينيون بفوائده الطبية الكبيرة، واستخدمه كازانوفا كنوع من التوابل لصناعة معجون الشوكولا.

ويلفت المؤلف إلى انه من الصفات الأساسية التي يتفرّد بها العنبر الأشهب، احتفاظه بـرائحته الخاصة خلال ثلاثمائة سنة. وكان قد جنى منه صانعو العطور فوائد مادية هائلة، على مدى قرون نظراً لصفاته تلك، ولـندرته، بسبب قلّة عدد الحيتان التي تنتجه. والمؤكّد هو أن العنبر الأشهب مادة، على خلاف أي واحدة أخرى، كان عليها أن تسافر طويلاً عبر المحيطات، قبل أن يحصل بضربة حظ، اكتشافها والتعرّف على أسرارها، كما نقرأ في أحد توصيفات المؤلف.

يتحدث كريستوفر كيمب بكثير من الشاعرية، عن العنبر الأشهب. وبالكثير من التفاصيل عن هذه المادة، ذات المظهر المتواضع، إذ يمكن للمرء أن يهملها على أساس أنها ليست أكثر من المواد ذات الأصول المختلفة التي تلفظها المحيطات والبحار.

لكن ما يقدمه مؤلف "الذهب العائم" يتعدّى كثيراً مجرّد التأريخ للعنبر وصولاً إلى توصيف عمليات وآليات البحث عن هذه المادة النادرة، التي حاول البشر منذ آلاف السنين، الحصول عليها، مهما كانت المخاطر، مبيناً انه كانت تلك المخاطر أكثر وأكبر في الأزمنة التي تعود إلى آلاف السنين، حيث كانت الأسفار في المحيطات مغامرة حقيقية محفوفة بالهول والويل. وكانت أسعاره تفوق أسعار الذهب بثلاثة أضعاف.

ويشير المؤلف إلى أنه هو نفسه، دفعه الفضول للبحث عنه. كان ذلك عندما كان في زلندة الجديدة. ويعيد ذلك إلى تاريخ 20 سبتمبر من 2008.

ويبين المؤلف كيفية وصوله إلى معلومات دقيقة إلى حد كبير، عبر البحث والتقصّي العلمي، عن العنبر الأشهب، لافتاً إلى انه نموذج في غاية الخصوصية من المواد التي يطرحها في ظروف في غاية التعقيد، حوالي 3500 من الحيتان على صعيد العالم كله.

ويخضع تكوّنها لوجود تيارات بحرية معيّنة، وتتأكسد بواسطة الملح. ويؤكد أن أولئك الذين ينطلقون في البحار والمحيطات بحثاً عن هذا الكنز لاحظوا أن كل قطعة صغيرة من العنبر، تختلف وتتمايز عن غيرها، ذلك أنه يتوافر بمظاهر مختلفة لونياً.

وفي مجال الحديث عن أسواق العنبر الأشهب، يتطرق كيمب إلى ما يسميه مافيا الشواطئ، التي تحمي حقوقها الخاصة بجمع هذه المادة الثمينة، عبر استخدام العضلات ولغة القوة. ويلفت إلى أنه لم ينجح في جميع المقابلات التي أجراها مع الأشخاص المعنيين، في الوصول إلى بعض أسرار المهنة.

ولكنه يشدد في المقابل على أن بعض صيادي العنبر الأشهب، يستخدم الكلاب المدرّبة، على غرار أولئك الذين يبحثون عن بعض الفطور في الغابات. وهناك أيضاً من يتاجرون، عبر دورة البيع، ولكنهم يحافظون على السرية.

وفي مواجهة كل ما قيل عن العنبر الأشهب من حكايات وأساطير، يقدّم كيمب، تاريخ وحقيقة هذه المادة، من موقع رجل العلم.

 

 

الكتاب: الذهب العائم، تاريخ طبيعي (وغير طبيعي) للعنبر الأشهب

المؤلف: كريستوفر كيمب

الناشر: جامعة شيكاغو 2012

الصفحات: 187 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

Floating gold

Christopher Kemp

University of Chicago Press - 2012

187 pp.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات