بنيس يضيء عوالم منتخبات شعرية للفرنسي دوغي

«كالحب.. كالحياة».. قصائد ونصوص وأخيلة

عوالم من الشعر الصافي والشاعرية المتدفقة، يأخذنا إليها الشاعر والمفكر والمترجم المغربي محمد بنيس، عبر ترجمته منتخبات شعرية موسعة في الإصدار الجديد لدار توبقال بالدار البيضاء الحامل لعنوان «كالحب، كالحياة» للشاعر ميشيل دوغي، أحد أهم الشعراء الفرنسيين لمرحلة ما بعد الحركة السوريالية، ويضم الكتاب قصائد ونصوصاً من إنتاج الشاعر وتجربته عبر مراحلها المختلفة، من خلال دواوين «شبه الجزيرة» (1962)، «أنهار بين شلالات» (1964)، «إشاعة» (1965)، «إعطاء ما يعطي» (1981)، «ممددون» (1985)، «إلى ما لا يطاق» (1995)، «لو لم يكن القلب» (2011)، ويختتم بقصيدة «نثر الكفن» (2015) وهي مرثية للشاعر عبد الوهاب المؤدب، كانت قد صدرت في كتاب ومترجمة إلى 20 لغة.

يقع الكتاب في 260 صفحة من الحجم الكبير، وقد خص المترجم المنتخبات بمقدمة مفصلة تعرف بالشاعر وبشعريته، التي تؤالف بين بناء القصيدة والتأمل الفلسفي.

يقول بنيس، إنه «مثل بركان ينفجرُ من أعماق سحيقة، حاملاً آثاراً تتراصُّ فيها وتتوحّدُ طبقاتٌ من الثقافة الأوروبية: شعراً، نثراً، فلسفة، منذ العهد اليوناني، متموّجةً بترانيم وتراتيلَ مسيحية (كاثوليكية رومية)، مع تمرداتٍ عليها تظهر في النصوص حيناً بعد حين.

بهذا يمكن لي أن أوجزَ الصورةَ التي أرى من خلالها شعر ميشيل دوغي، أحد أهمّ الشعراء الفرنسيين لمرحلة ما بعد الحركة السوريالية»

في حين تأتي شاعرية دوغي متسعة لآفاق رحبة من الأخيلة والانتباهات حيث «لا يُنصتُ ولا حُلمَ لهُ، يختلفُ قليلاً عن الرَّاعي الأقْدم، ها هيَ النفْسُ ذاتَ يوم أيضاً ربّما ورغْماً عنه تنهارُ، تثقبُ صممَه، تُحرّضُ على الوشْوشة ــ على الأبْعد فيهِ. وها هُو بعْد ملايينَ من الدوَرات يصيبهُ الحظُّ، إنساناً صلباً مثل كُريّةِ حزّاز أوْ مثل جُبْنة؛ مع ذلك الكلامُ في القلْب يجْعلهُ ينْفطرُ.

ينْجحُ التطعيمُ في قلْبه والآن بمجمُوعةٍ منَ القصائد يشبهُ أيّلاً في عامه السَّابع كما ترْويه الخرافةُ التي كان يسْخرُ منها. يحْفرُ الألمُ نافذةً من جهة الصُّدغيْن. عارضةٌ من الدّم تجفّف قرْنية العيْنِ الكثيفةِ. والموْتى الذين كانوا يتيهُون يجْعلون في الشّاعر مدْفنَهم».

وفي تعريفه بالشاعر ميشيل دوغي الباريسي، يقول بنيس هو «ابن عائلة برجوازية، متديّنة، تحترم الطقوس والشعائر في البيت كما في الكنيسة. أما تعليمه فقد تلقاه في المدرسة العمومية، اللائكية. حرص في تكوينه الشعري والثقافي على التجذر في الثقافة الأوروبية والتمسك بها.

يُديم الرحيل، في كتاباته، بين أزمنة هذه الثقافة وأرْوقتها. وفي ظلالها تمتد أعماله وتتشعّب. فهو ينطلق من مبدأ استمرارية الماضي في الحاضر، لا من رفضه أو «محو آثاره»، كما يقول بريخت مثلاً.

ووفق الكتاب، يعتبر ميشيل دوغي نفسه مُخْفقاً، تبعاً لما كتبه ستيفان ملارمي هو الآخر: «مُخْفقون، نحن كذلك جميعاً»، فهو أخفق في مباراة الالتحاق بالمدرسة الوطنية للإدارة، فيما كان جميع رفقائه متأكداً من نجاحه. ويعطي هذا الإخفاق بُعداً وجودياً.

كما أنه لم يكن، على مستوى الالتزام السياسي، مثقفاً منخرطاً في قضايا زمنه، مثل حرب الجزائر، أو منتمياً إلى الحزب الشيوعي، على غرار عامة المثقفين الفرنسيين، منذ العشرينيات حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي. كان إلى حد ما سارترياً، وقريباً من فلسفة مارلو بونتي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات