جماليات البلاغة لفنون المجاراة والمجازاة

«المنتقى».. جولة شعرية وروعة بيانية

ينتمي كتاب «المنتقى من المجاراة والمجازاة»، الذي ألَّفه صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى سنة 764هـ، وانتقى أشعاره شرف الدين محمد الزرعي المتوفى سنة 779هـ، إلى كتب الاختيارات الشعرية، متخذاً من فن المجاراة والمجازاة، الذي يمثل شكلاً أدبياً قديماً، مجالاً واسعاً لالتقاط النماذج الإبداعية ذات الروعة البيانية.

ويتطرق المحقق أحمد رفيق الطحان، في دراسته التي صدَّر بها الكتاب، إلى توضيح دلالة عنوانه من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية، إذ يُبيِّن أن المجاراة مأخوذة من قولهم:

«جاراه»، أي: جرى معه، وهي تعني أن ينظم الشاعر مُقطَّعة أو قصيدة، فيردَّ عليه آخر على الوزن نفسه والقافية، محاولاً مقاربة صور الأول باستخدام المقارعة المنطقية، في حين يتناول الباحث مصطلح المجازاة الذي يُقصد به أن ينظم الشاعر شطراً أو بيتاً، فيطلب من شاعر آخر إكمال ما بدأه بقوله: أَجِزْ، فيتابعه الشاعر، متعاوناً معه في رسم صورة ذهنية تجمَّعتْ من نسجيهما، لكنه يقف مليّاً عند الجذر اللغوي (ج و ز) الذي يتضمن المجازاة التي تعني المكافأة والمقابلة.

كما يشتمل على الإجازة التي تدل على التمرير والنَّفاذ والإمضاء والعطاء، مقرِّراً أن المعنيين يوافقان الأساس الثاني من الكتاب، غير أنه يأخذ على المؤلف هنا أن قوله: «المجازاة» لا يوافق قوله المختار: «أَجِزْ» إلا من الناحية الدلالية للمصدرين، لا الصرفية، وأن اختيار الصفدي لفظة «المجازاة» لم يكن إلا للتصنُّع البديعي؛ ليُجانس بين لفظتي العنوان.

تداخلويرى رفيق أن مادة الكتاب، التي بُنيتْ على هذين الأساسين من ناحية الشكل وبصورة متداخلة خالية من الترتيب، شاع فيها البديع؛ لكون المؤلف عاش في حقبة زمنية في القرن الثامن الهجري، أولع أهلها بتطوير هذا العلم البلاغي ووضع حدوده والتفنُّن في تقسيماته، مع الأخذ في الحسبان أن البديع لم يكن فنّاً مُحْدَثاً أو قريب الحدوث، بل هو قديم قِدَمَ الشعر العربي ذاته.

ويتجنَّب التطرُّقَ إلى الأسباب التي دعت أدباء ذلك العصر إلى الإكثار في استعمال البديع، لكنَّه يشير إلى فكرة من استنتاجه، مفادها أن الجمال الأدبي في تلك المرحلة النقدية كانت تجلوه تعمية الصورة في جانب من جوانبه.

موضحاً أن الأديب كلما قرَّب الصورة إلى المتلقي، حتى يكاد يشعر بأنه أحاط بها، أبعدها عنه ثانيةً بدعوة ذهن المتلقي إلى معجم عربي أو قاعدة نحوية أو صرفية أو رياضية أو غير ذلك، كما أنه يأخذ على كثير من الدراسات السابقة التي تناولت هذه القضية، أنها بُنيتْ على أمثلة ناقصة مبتورة، أو قراءة مشوَّهة، أو تذوُّق فاسد، مما فتح الباب للاستهزاء بالأدب القديم من جهة.

ومن جهة أخرى غرَّ بعض الدارسين بترديده بلا فهم عميق، داعياً إلى أن يقوم النقد على استجلاء الصورة التراثية الكاملة.ويشتمل الكتاب، على نصوص شعرية حافلة بفنون وأساليب متعددة، إذ تتكئ أشعار المجاراة على المحاجَّة العقلية، وتوظيف اللون البديعي المعروف باسم «القول بالموجب»، ويظهر فيها أثر تنافس الشعراء في تصوير معنى واحد، كما تنتهج طريقة الألغاز.

 

الكتاب:المنتقى من المجاراة والمجازاةالمؤلف:صلاح الدين خليل بن أيبك الصفديالمحققأحمد رفيق الطحانالناشر:دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2018الصفحات:192 صفحةالقطع:المتوسط

تعليقات

تعليقات