الإبداع بين البنيويّة والتفكيكيّة

«حضارة النص المعاصر»

يتحدث كتاب (حضارة النص المعاصر/‏‏‏‏ نقد تطبيقي) لمؤلفه محيي الدين محمد، عن المخزون النفسي الذي رافق حركة الإبداع الفطري، في الجنس الأدبي، أياً كان هذا الجنس، ولاسيّما الشعر الحديث، وأثر الإنتاج الفكري الذي كان امتداداً للتراث الذي وحّد المجتمعات العربيّة، ومنحها القدرة لتدافع عن قيمها الروحيّة.

فقد استطاعت اللغة العربيّة، بحسب الكتاب، الحفاظ على التراث، رغم حرب الألسنة، والصراع على الهويات، بقصد ضرب معاجمها الخاصة. كما استطاع الأدباء الملتزمون بقضيّة وجوديّة، التخلي عن (الأنا) الفرديّة، ليكون نتاجهم قادراً على إحداث التغيير المقاوم لليأس.

وباتحاد (الأنا) في الجسد الجمعي، تتجدد المثل العليا في ثوبها المعاصر، وتتسع النصوص المفتوحة على الثقافات العالميّة، وفي نفس الوقت تتصدى لثقافة النص التهجيني التي صدّرتها العولمة.

اعتمد الكاتب في دراسته لحضارة النص المعاصر، النقد التطبيقي الذي هو الأصعب فناً، لأن العامل عليه يجب أن يمتلك أدواته، بحيث يُنتج نصاً آخر من النص المنقود، وذلك بالوقوف على قيمته المعرفيّة والجماليّة، مستحضراً في دراسته عدداً من الأسماء الشعريّة التي حظي أصحابها باهتمام الدارسين والنقاد كالشعراء: بدر شاكر السيّاب، ناظم حكمت، حامد حسن.

وإيليا أبوماضي، في حين أن بعضهم الآخر كعصام خليل وعبداللطيف محرز، لم يحظَ نتاجهم بهذا الاهتمام، رغم خصوبة التجربة، ونزاهة المجازات، في مواجهة الغموض الفني، حين يدخل الشاعر إلى الأماكن المجهولة، بتناغم روحي شفيف، ويستوطن بعد ذلك الذاكرة.

في عرضه للطاقة التركيبيّة للنص، يُشير الكتاب إلى نوع من الالتقاء بين اللغات الحيّة، عبر المسار الكوني، دونما خلاف على الزمان والمكان، وللتدليل على ذلك، يستعرض حكاية (ميسون بنت بحدل) التي تزوجها معاوية بن أبي سفيان، وأراد أن يجعل منها سيدة قصره الأولى، ولكنها اتخذت موقفاً معاكساً من الحياة الجديدة، فثار حنينها إلى خشونة العيش، فغادرت قصور الخلافة في الشام.

وهذه، بحسب الكتاب، هي طبيعة الحياة الأكثر عمقاً، بتواصلها مع عظمة الأرواح النافرة من سلطة المدينة، وما تعكسه من قلقٍ ضمن المقاييس، في أنماطها الرمزيّة، وأبعادها المختلفة، والتي مثلتها الإضافات الإبداعيّة، في عالم الغربة مكانياً وزمانياً، عند الشعراء والكتاب، وربما الفلاسفة، كالقائد الهندي «غاندي» الذي أحبه شعبه عبر كفاحه، وقد عشق هو الآخر حياة البساطة التي حنت إليها قبله ميسون.

يُشير الكتاب إلى أن المكان ظاهرة حيّة في لغة المبدعين، والارتباط فيه أمر له خصوصيته في حماية النص من متمرد سياسي، يدعي أنه من حرّاس الثقافة الوطنيّة الجادة، ولهذا فإن تثبيط همة المبدعين هو أحد الأخطار التي واجهها مثقفو العالم في حياتهم، بسبب تلك السلطات، من جماعة الشعراء والروائيين والأكاديميين، والمبدعين بشكل عام.

وفي ظل وجود أحكام مطلقة متناولة بين تأويل فكرة النص، أو تفسيرها، ثمة قرائن تدل على وجود بعض الفوارق التي تفصل بين التأويل والتفسير، ما استدعى اكتشاف ثوب عصري جديد هو (التفكيكيّة) كنظام نقدي ظهر مع الاتجاهات الرافضة للفكر البنيوي.

وذلك من خلال سلطة افتراضيّة تقرأ في الخدعة اللغويّة التي تستوطن النصوص المراد سبرها. من هنا تتضاعف أهميّة التفكيكيّة لتغدو منهاجاً متكاملاً، وهي في جزء منها عبارة عن رد فعل حَذِر، للتخفيف من غلواء البنيويّة، وتوضيح رؤيتها الداخليّة بالطريقة المثلى.

الكتاب: حضارة النص المعاصر (نقد تطبيقي)

المؤلف: محيي الدين محمد

الناشر: الهيئة العامة السوريّة للكتاب - دمشق 2018

الصفحات:

256 صفحة

القطع: الصغير

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon