فشل التحديث أورثنا تفشي الإرهاب وتنامي التشدد

من الدين إلى الطائفة.. في ضرورة الدولة المدنية

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

يناقش كتاب «من الدين إلى الطائفة.. في ضرورة الدولة المدنية»، لمؤلفه خالد غزال، تصاعد الإرهاب وتنامي ماكينته بسرعة هائلة، وتحولها الى وحش مُتنقّل يستخدم شتى الوسائل والأدوات، بينها الشبكة العنكبوتية بمنافذها كافة، فيغرز مخالبه في مفاصل العديد من الدول، ويعمل على تفكيك بناها وتحويلها الى قطع يتلهى اللاعبون في إعادة هيكليتها وتركيبها على نحو جديد، بعد أن يتم استئصال فئات اجتماعية وأقلية دينية ومذهبية، وتحويل الأكثرية السائدة الى شراذم ومجموعات مُشرّدة، تبحث في أرجاء المعمورة عن موطئ آمن لها، بعيداً عن دوامة العنف والإرهاب.

يرى الكاتب أن العنف الديني مردّه بالدرجة الأولى الى الانقسامات والتشققات والنزاعات الحاصلة داخل كلّ دين، والتي أسهمت في بروز طوائف ومذاهب ادعى كل واحد منها انتساب الإله الى منظومته، ورأى نفسه حاملاً للحقيقة المطلقة، فيما سائر الطوائف والمذاهب تتربّع في الجهل والضلال.

ويُؤكّد الكاتب على غاية الدين السامية واتسامه بالمطلق الخلقي والإنساني والروحي، وعلى دعوته الى تحقيق العدالة والمساواة بين البشر، لكن ما يحصل ويُمارس باسم الدين من جرائم وارتكابات عُنفية وما تروّج له المجموعات الشاذة والمنحرفة عن أصوله، لا يصب مُطلقاً في الجوهر السامي والنبيل الذي قامت عليه الديانات في الأصل.

إن إقحام الدين، كما يوضح الكاتب، في الصراعات السياسية والاجتماعية، شكّل العنصر المفجر دوماً للعنف والكراهية، نظراً إلى استخدام كل فئة النص الديني لصالحها، عبر تفسيره وإصدارها فتاوى تُراعي مصالحها وغاياتها، وهذا ما يحصل اليوم في مجتمعاتنا العربية، والذي يعتبر في بعض أوجهه امتداداً لما حصل بعد وفاة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم من صراع على السلطة وما نتج عن ذلك من انشقاقات بين القبائل العربية وسعي الفرق والطوائف الناشئة الى استحضار النصوص المقدسة وتوظيفها بما يخدم اهدافها.

ويعيد المؤلف تفشي ظاهرة الإرهاب وتناميها بهذه السرعة الى انهيار مشروع التحديث، الذي هلّت تباشيره في خمسينيات القرن الماضي، وهذا ما مهد الطريق للحركات الأصولية المتطرفة، التي عملت على توظيف النص الديني في خدمة الإرهاب، وجهدت في الوقت عينه الى تقديم فكرها بديلاً عن الأيديولوجيات التي كانت سائدة، في تعبيراتها القومية العربية والاشتراكية الليبرالية.

ولم تتأخر التيارات الإسلامية، وتحديداً تلك التي وصلت الى السلطة، في طرح مشاريعها بوصفها تطبيقاً للشريعة وتمهيداً لبناء الدولة الدينية. وهذا ما وضع القوى المعارضة أمام تحديات ناشئة، وصُلب الخلاف في ما بينها تركز على قراءة الدين مجدداً فكانت معركة امتزج فيها الصراع الفكري والسياسي والايديولوجي.

ويُقارن الكاتــــب بين حال المجتمعات العربية الراهـــنة، الغارقة في أتون الصراعات الطــائفية والمذهبية، والمجتمعات الغربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وحالها المتمثلة بمحاكم التفتيش والحروب الصليبية، وما شهدته من مجازر بحق الطوائف المسيحية كلفتها مئات الآلاف مـــن القتلى، وطبعت التاريخ المسيحي بصراعات دامية ومتواصلة بين السلطتين الزمنية والدينية.

يبين المؤلف أن الحروب الدينية هي في الحقيقة وجهة لصراعات اجتماعية وسياسية. ويورد حول ذلك صورة بانورامية لحروب المسلمين بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم، فيتناول الفتوحات الدينية وحروب الردة والخوارج وشتى الحروب الأخرى.. وصولاً الى استعراض بعض نماذج التعذيب المتبعة في الإسلام والاغتيالات التي رافقت مساره. والهادفة أساساً الى بث الرعب ولجم المتطاولين وكبح جماحهم ليكونوا عبرة لمن لم يعتير.

ويستتبع الكاتب مراجعته التاريخية للصراع المذهبي والطائفي وما نجم عنه من مجازر وحروب، تحت شعارات تستلهم في معظمها النص الديني، وتخضعه لتأويلات وحسابات تتذرع بالدين شكلاً بما عرفته الأديان التوحيدية الثلاثة عبر تاريخها، والتي ادعى كل منها احتكاره للحقيقة المطلقة، وهذا ما دفع بالقيمين على هذه الأديان الى إقصاء واستبعاد كل من لا يدين ويُسلم بما تؤمن به.

كما أن رفض كل دين لمبدأ التعددية لم يُنجه من الوقوع في فخاخها وضمن الدين الواحد نفسه، وبدلاً من أن تكون التعددية ميداناً للتفاعل بين الفئات المتعددة والاعتراف بحق الآخر في الاعتقاد والإيمان والتعبير عن الرأي الحر، بما يؤدي الى إغناء قيم الدين وتطوير مفاهيمه الفكرية والعقائدية، تحوّلت هذه التعددية الى نزاعات وإلغاء للآخر كله تحت اسم التوحيدية.

وفي القسم الثاني من الكتاب «في ضرورة الدولة المدنية» يتناول المؤلف ما اصطلح على تسميته «دولة دينية» انطلاقاً من قراءاته لتجليات مكوناتها في الديانات التوحيدية الثلاث، فيشدّد في هذا الشأن على أن الدولة الدينية غير موجودة أصلاً في اسرائيل وإن كانت دولة عنصرية بامتياز، إذ عملت الحركة الصهيونية على تأويل بعض النصوص التوراتية وتوظيفها لإقامة دولة استعمارية استيطانية على أرضها وكذا الأمر في المسيحية، حيث جرى توظيف اللاهوت المسيحي من أجل تطويع ارادة المواطنين، فاستُخدمت محاكم التفــتيش لتــــكرّس هذه الهيمنة.

أما في العالم الإسلامي فاتخذت الدولة الدينية أبعاداً اكثر مما هي عليه في اليهودية والمسيحية، فالإسلام كما هو معروف دين ودولة، وقد تكرست فكرة الدولة الدينية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

في خاتمة الكتاب يعرض الكاتب لأبرز مقومات الدولة المدنية: المواطنة العلمانية، ضرورة فصل الدين عن الدولة، ارساء الديمقراطية باعتبارها مصدر السلطات وتكريس والفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، احلال شرعة حقوق الإنسان.

ومن ثم يخلص الى أن الحل الأمثل لمشكلاتنا المتـــــفاقمة منذ عهود، يُحتم ضرورة الوصول الى دولة مدنية، قادرة على إنتاج ثقافة جديدة، عمادها الحداثة وحقوق الإنسان والمساواة بين المواطنين، بعيداً عن العرق والجنس والدين، على أن يترافق ذلك مع إصلاح ديني في المجتمعات العربية، يضع كلاً من الدين والسياسة في موقعهما الحقيقي.

المؤلف في سطور

خالد غزال. كاتب لبناني. حائز إجازة في العلوم السياسية والإدارية من الجامعة اللبنانية. لديه عدد من الأبحاث والمقالات المنشورة في الصحف اللبنانية.

الكتاب: من الدين إلى الطائفة في ضرورة الدولة المدنية

تأليف: خالد غزال

الناشر: دار الساقي – بيروت 2015

الصفحات: 319 صفحة

القطع: الكبير

طباعة Email