ذاكرة المكان غير القابلة للزوال

«بانكوك تستيقظ على هطول المطر»

هناك إحساس قوي بالانفصال يسري عبر التيار المنحسر والمتدفق للمدينة، في الرواية الأولى للكاتب التايلاندي الأصل بيتشايا سودبانثاد، بعنوان «بانكوك تستيقظ على هطول المطر»، وهو انفصال يأخذ أبعاداً مختلفة، سواء عن البلاد أو العائلة أو التاريخ الوطني والاجتماعي للبلاد، أو حتى عن الذات البشرية.

ويشكل مفهوم الانتماء ركيزة أساسية في رواية الروائي الذي يعيش في الولايات المتحدة، وهذا المفهوم يمر على الأجيال في سرد خطي يستحضر أرواح المكان وصولاً إلى المستقبل، ربما لإثبات استحالة زوال الذاكرة، حسبما يفيد الناقد تاش رو، في صحيفة «غارديان» البريطانية.

تسأل إحدى شخصيات الرواية جارها العائد إلى بانكوك بعد سنوات أمضاها خارج البلاد، والذي يعيش علاقة معقدة مع والديه ومدينته: «عدم التذكر لا ينفع حقاً، ألا تعتقد ذلك؟». المرأة نفسها تعيش قصة مؤلمة لم تشف منها بعد. وتجد نفسها تتحدث مع جارها سامي، في مشاعر متدفقة بالحنان، وهما يقيمان في المجمع السكني نفسه الذي يقع على قطعة أرض عائدة لعائلته، ويتدفق في سياق ذلك، تاريخ بانكوك من حولهما، فيما يوحد الاثنان شعور بالفقدان والارتباك؛ كيف يمكنهما التوفيق بين ماضيهما واندفاعة مدينتهم نحو المستقبل؟

ذاكرة غير متصالحة

وفي بنية سردية تحوم باستمرار حول المكان، يعرض المؤلف شخصياته، فهناك المبشر في القرن التاسع عشر الذي يكافح للتكيف مع قسوة الحياة في تلك المنطقة الاستوائية وعدم جدوى دعوته، وعازف البيانو في السبعينيات الذي يعزف موسيقى الجاز لأشباح تطارد منزل عجوز ثرية، وهناك ابنها سامي الذي يزور والده المحتضر في لندن محاولاً عبثاً الاستقرار في بلدان عدة مع نساء مختلفات، من بينهن جارته ناي التي تكافح بدورها من أجل التصالح مع ماضيها، ومقتل صديقاتها على يد الجيش في منتصف السبعينيات.

وكانت ناي التي تطاردها مشاعر الذنب، تعمل في أعقاب هروبها مدربة سباحة ومديرة شقق سكنية، وعلى الرغم من تبدل وجه المدينة، إلا أنها غير قادرة على نسيان الصدمة التي تكمن تحت السطح اللامع للمدينة، فوسط «المباني الحديثة ألم قديم». نجاتها من الموت في السبعينيات شكل البذرة الكئيبة للرواية التي تمتد حدودها المتغيرة عبر الزمن، و«تعيد تخيل بانكوك كمدينة غمرتها المياه بشكل دائم». لكن حتى عندما يتغير العالم من حول الشخصيات، تبقى الرواية راسخة في الصراعات اليومية ربما لإظهار شعورنا بالعجز في وجه التاريخ.

اغتراب دائم

ويظل هناك هذا الإحساس بالاغتراب على الدوام، وهو اغتراب طوعي أو قسري، حتى بالنسبة إلى أولئك الذين لم يغادروا مدينتهم أو مسقط رأسهم؟ فهل يمكن أن يكون الاغتراب مسألة خيار؟

وفيما تطالب كل شخصية في الرواية بدور اللاعب الرئيس، تبقى أفضل اللحظات عندما تهدأ لتدخل لحظات حساسة من العلاقة الحميمية. عندما يلتقي سامي بناي في شقة والدته التي وافتها المنية أخيراً، يمازحها في محاولة لتخفيف وطأة الأجواء وإخفاء حزنه، لكنها لا تستجيب، جزء منه كان يتوقع بعد سنوات من العيش في أمريكا «بعض التغيير في المواساة»، لكنه بدلاً من ذلك يتلقى ربتات على الكتف، في إيماءة تتحدث ليس فقط عن الفجوة الثقافية التي يعيشها سامي الآن، لكن عن استحالة أي منهما إيجاد المواساة التي يتوق إليها.

رسالة حب

الرواية عبارة عن رسالة حب للمدينة وسكانها، تسير عبر التاريخ مثل خريطة تستحضر الأرواح وتعيد تجربة العيش في مناخ تايلاند المائي، حيث يمكن الإحساس بمنسوب المياه يرتفع إلى الكاحلين، وفقاً لوصف الناقد رون تشارلز في صحيفة «واشنطن بوست».

سودبانثاد يعيش حالياً في نيويورك، لكنه يلتقط تاريخ البلاد باضطراباتها واختلاجاتها، في بنية تعكس ثقافة بانكوك المعقدة. يربط قصصه كمشهد حكايات يحوم فوق المدينة وماضيها وحاضرها ومستقبلها، وفيما نشهد على تغير حياة الناس وازدهارهم، تكشف المدينة عن إيقاعات خاصة بها في شكل أصوات.

أحياناً بموسيقى الجاز، أو الموسيقى التقليدية، أو حتى صوت مياه متدفقة أو سرب عصافير، أو موقع بناء، أو أصوات أطفال أو بائعين في الشارع. فكل قطعة لها إيقاعها الخاص الذي يدخل القارئ أكثر داخل أجواء المدينة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات