قصص خفية حول مسيرة ازدهار اليابان

حديقة «أوينو» تاريخ قاتم تحت أشجار الكرز

صورة

تراكم حديقة «أوينو» في طوكيو، اليابان، الذكريات من جيل إلى آخر، وتحيلها إلى التاريخ، كانت شاهداً على مفارقات عصر بأكمله، دُفنت تحت أزقتها الخلابة المزدانة بأشجار الكرز بقايا بشرية خلال الحرب العالمية، واحتضنت فوق أرضها الرحبة سكان مذعورين في أوقات الزلازل، وليس بعيداً عن بواباتها تقع مخيمات المشردين الذين بنت المدينة على أكتافهم ازدهارها الاقتصادي ما بعد الحرب، تلك المخيمات التي تتعمق الكاتبة الكورية يو ميري في دراسة أوضاعهم في روايتها المترجمة إلى الانجليزية بعنوان «محطة أوينو طوكيو»، أخيراً، مظهرة الفقر المخبأ في تلك الحديقة المترامية الأطراف وسط أشجار الكرز الوارفة ومتاحف اليابان المبعثرة.

كان عدد كبير من أولئك المشردين قد جاء المدينة من ولاية فوكوشيما خلال فترات النمو الاقتصادي للعمل وتحويل المال للأسرة، من بينهم بطل الرواية كازو المولود في فوكوشيما عام 1933 في السنة نفسها لولادة امبراطور اليابان، الذي ترك زوجته وأطفاله للعمل في قطاع البناء خلال الألعاب الأولمبية عام 1964.

بقي متنقلاً طوال حياته بحثاً عن عمل، ثم فقد في سنوات الثمانينيات زوجته وابنه، فأصيب بالاكتئاب وقصد خيم حديقة أوينو، حيث التقى عمالاً مثله أنفقوا حياتهم في بناء الطرق والمستشفيات والمدارس في البلاد.

تخبرنا صحيفة «جابان تايمز» بأن المحطة كانت تاريخياً بوابة الشمال «يصل إليها الشباب من توهوكو الى العاصمة، وأن قصصهم تظهر غالباً في الحوار في الرواية، كسلسلة متصلة من التشريد على مر الأجيال، وصولاً الى زلزال وتسونامي فوكوشيما عام 2011.

تتأرجح الكاتبة ما بين الماضي والحاضر عبر حوارات مستمرة وأوصاف شاعرية، فيما يهيم شبح كازو المتوفى في مكان إقامته الأخير يراقب الحياة في المدينة من حوله، مستذكراً شبابه في أقصى الشمال وأسلوب حياته متجولاً باحثاً عن عمل مؤقت إلى اللحظة التي يجد نفسه في حديقة «اوينو»، التي اسمها الرسمي «حديقة الهبة الإمبراطورية اوينو»، وهي صدفة من عدة صدف تربط حياة كازو بالعائلة الإمبراطورية.

بالنسبة الى الروائية يو ميري المولودة في اليابان لوالدين كوريين، كان الانتماء موضوعها المفضل وقد تحدثت عنه في قصصها بإطلالة من الخارج، فازت بجائزة «اكوتاغوا» المرموقة على روايتها «سينما عائلية» لكنها تلقت تهديدات أيضاً من بعض القوميين اليابانيين الذين ينظرون إليها بأنها تشوه سمعة بلادهم.

روايتها الأولى «التهافت على الذهب» عبارة عن قصة سوريالية عنيفة عن أطفال ضائعين وسط أسر مختلة، رواية نفسيه تنظر في أوضاع الشباب في ظل مجتمع عنيف، لكن «محطة اوينو طوكيو» مختلفة تماماً وأقل تعقيداً. تذهب بنا عبر اليابان إلى أماكن عديدة وتزور فترات قاسية. يستذكر بطلها الآلام التي سببتها الحرب في عام 1933، وعمله في البناء خلال الألعاب الأولمبية عام 1964 وانفجار الفقاعة الاقتصادية.

انعكاس

كانت الحديقة نفسها شاهدة على قصف طوكيو عام 1945 حيث دفنت 8 آلاف جثة تحت أرضها، وزلزال كانتو العظيم عام 1923، حيث توافد الناس إليها، فالحديقة تخبرنا الكاتبة: «لم تحترق بسبب توفر المياه في بركة شنوبازو. لكن متجر «ماتسوزاكايا» مقابلها دُمر بالكامل.

وقد تدفق السكان المحليون إلى الحديقة وصولاً من نوهوباشي وكيوباشي بحثاً عن مأوى من الحرائق. بعضهم جلب معه كل ما يملك في عربات تُجر باليد بأمل العودة إلى عائلاتهم في الريف. وكانت أعدادهم كبيرة إلى حد أن الطرقات حول المحطة والمسارات انقطعت وتوقف القطار».

حياة كازو تشكل انعكاساً لتاريخ اليابان، كان قد حفر بيديه أساسات ملاعب الأولمبياد، مصيداً السمك ومتجولاً في الأرض بحثاً عن وظيفة، لكنه ظل فقيراً معظم حياته.

سنوات شبابه أمضاها مرتدياً سترات صوفية مصنوعة باليد رخيصة الثمن وكان يزرع الخضار لإطعام عائلته، لكنه ليس وحده الذي وجد حديقة اوينو مكانه المناسب، فعدا التماثيل الرمزية المبعثرة في أراضيها، حيث ينتهي أعداء وحلفاء الامبراطور مخلدين في الحجر، هناك الجرح المفتوح في قلب المدينة.

أسرار

تكتب المؤلفة على لسانهم: «من قبل كانت لدينا عائلات. كانت لدينا بيوت، لا أحد يبدأ حياته في كوخ مصنوع من الورق المقوى والأقمشة، ولا أحد يصبح بلا مأوى لأنه يريد ذلك. شيء واحد يحدث ثم آخر». يدرك كازو انه فيما كان يساعد في صعود اليابان الاقتصادي ضاع منه تاريخ أسرته الخاص.

رواية «محطة اوينو طوكيو» من نوع الرثاء، لكنها أيضاً إفشاء لأسرار مخبأة عن معاملة هؤلاء المشردين، وكيف تحولت «الهبة» إلى أرض تكبلهم.

مع ذلك، لا وجود لغضب في الرواية بل تلك النغمة الهادئة الملجومة، وتلك الأحاديث اليومية في الخلفية كتلك النساء من الطبقة الوسطى اللواتي يعبرن الحديقة بوجوههن السعيدة التي تخبر أكثر من جانب للقصة.

يرى البعض الرواية كقصة سوء طالع، وقد أخذ بطل الرواية نصيبه منه فيما يتعلق بأحزان أسرته، فهل كانت حياته ستأخذ درباً آخر؟ يقول كازو: «وقفت وحيداً في الظلام. الضوء المسلط عليّ لا ينير شيئاً، يبحث عن أشياء لينيرها.

وأنا لم يجدني الضوء يوماً، بل قدري كان دائماً أن أكون في الظلام». هناك من يعتقد بأن الرواية وقفة احتجاج ضد الألعاب الأولمبية في طوكيو 2020 عبر تصوير عميق وحساس لحياة الفئات الأضعف في اليابان.

 

الكتاب:محطة اوينو طوكيوترجمة إلى الانجليزية:مورغان غيلزالناشر:تلتد أكسيس برسالصفحات:180تاريخ النشر:4 مارس 2019

طباعة Email
تعليقات

تعليقات