«الفلكلور والأساطير العربية» جذور إشعاع حضاري

مخزون حكايات عربية وقصص خيالية تنطوي عليها أبعاد أثرت مكون ثقافتنا وموروثنا، ينطوي عليه فلكلورنا ومكون الحكايات والأساطير، إذ أضفت طابع تشويق خاصاً وجمالياً، ذلك بدءاً من عوالم جلجامش، وزرقاء اليمامة، والأميرة ذات الهمة، والزير سالم، وسيف بن ذي يزن، وعنترة، وحمزة العرب.

وانتهاء بحكايات شهرزاد في "ألف ليلة وليلة"، و"كليلة ودمنة"، وجحا، ولقمان الحكيم، وشعيب، وفراعنة مصر، ونماردة العراق.. وغير ذلك من الموضوعات الفلكلورية والأسطورية، والسير والملاحم المُشكلة لموروثاتنا العربية التي تعكس جانباً مهماً من شخصيتنا القومية.

وربما أن الموسوعة التي ألفها الباحث شوقي عبد الحكيم، بعنوان «موسوعة الفلكلور والأساطير العربية» تقدم لنا في رحلة ممتعة إلى أعماق التاريخ والغوص في تفاصيل الفلكلكور والأساطير، ليرصد ما يكتنز ضمنها وهو يدرس ويمحص ويدقق فيها، ليعطي أفضل ما يستطيع، من خلال رحلته الاستقصائية في الكشف عن المؤثرات الحضارية، التي طرأت عل تراثنا القومي.

وبعض منابع ذلك التراث، كالسومرية والسامية والفارسية والهيلينية والرومانية والبيزنطية، مركزاً على الرموز والممارسات التي تُشكل جامعاً مشتركاً عند العرب، مثل: قراءة الفنجان والنجوم، والأبراج وغيرها. وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار هذه الموسوعة هي الأولى من نوعها في الوطن العربي.

أبجدية

توزعت معلومات وموضوعات الموسوعة بحسب الحروف الأبجدية العربية، أي بدأت بالألف وانتهت بالياء، وشملت الحكايات والأساطير والأغاني والأقوام والمدن، وأشهر الآلهة، والحكماء، والعشاق، والملوك، والمعارك، والحيوانات البهيمية الخارقة، والخرافات، إضافة إلى ضروب الشعر المتعدد الأغراض، وأنواع المسارح، والحضارات القديمة.

الغرض الأهم من تأليف هذه الموسوعة الميسرة للتراث الأسطوري الفلكلوري العربي، الموحد الجذور والخصائص، والعائد لأصول قديمة هو (بحسب المؤلف) تنشيط واستنبات حركة جمع للتراث الشفاهي، لتسمح بتأسيس منصة للوصول إلى أطلس للفلكلور العربي، بمجالاته المختلفة من شعر، وحكايات، ومأثورات، وأساطير، وسير، وملاحم.

إضافة إلى بقية الأنشطة الأخرى من أدبية وتشكيلية وتعبيرية، قوامها الفنون الزمنية من رقص وموسيقى ومسرح مرتجل.

اعتمد المؤلف في تعامله مع التراث العربي الوارد في الموسوعة، على المنبت اللغوي السامي لهذا التراث.

وذلك تحسباً من انجرافه إلى هوة الدوران في الحلقة المفرغة للمناهج الغيبية المغلوطة، التي لا ترى في التعامل مع التراث بعامة سوى مجرد إحيائه وبعثه من مدخل تقليدي، أكثر منه علمي. بمعنى أن الباحث أطل عليه بالشكل الذي يسمح له بالتدخل الإيجابي القادر على أن يلبي احتياجات التنمية المادية والعقلية للمجتمعات العربية المُجهدة.

انطلقت الموسوعة من نظرة إجمالية لموقع الفلكلور العربي من الرقعة الكونية، وكل ما يتصل بأصوله ومنابعه المتوارثة جيلاً إثر جيل، وحضارة تعلو سابقتها، بهدف تحديد مكان الواقع الموضوعي للتاريخ الثقافي العربي، بأفعاله المتبادلة، ومجموع صراعاته وأزماته وحلولها، عبر عمليات التدمير والخلق، والتجاوز، والاجتثاث، والثورة وارتداداتها.

أي من منطلق الأخذ بأن التاريخ بعامة، ما هو في أحسن حالاته سوى التاريخ الطبيعي للإنسان، وما بقية العلوم الثقافية من أنثوبولوجيا، وأثنوجرافيا، وفلكلور، وأساطير، سوى فروع وروافد للعلم الطبيعي الذي كما يُعرفه (راد كليف براون) هو البحث المنهجي في بناء الكون، كما تُظهره لنا الحواس.

لهذا يمكن اعتبار الدراسات الفلكلورية (محتوية أو متضمنة الأساطير) أحد المركبات الهامة اليوم، في إعادة بناء تاريخ الجسد الحضاري لأي شعب، أو مجموعة من الشعوب، وبشكل خاص الشعوب العربية.

تطور

من مهام الأثنوجرافيا (متضمنة الفلكلور) جمع المعلومات والمأثورات المتوارثة، بما يمكن تزامنه من الدراسات التاريخية في جدلية تواجد العلاقة الحميمة بين البناء الاجتماعي وعلم ما قبل التاريخ والآثار، إضافة إلى بقية الميادين والأبنية، ومنها أبنية الاتصال كالقرابة، والتنظيم العشائري، وأنماط زواج، والتربية، واللغة، وكذا المعتقدات والمنتجات الطقسية الروحية والدينية.

أية محاولة دراسية للتراث العربي، لا تأتي على المستوى القومي، تكون مبتورة ومحبطة، فالوحدة الثقافية والتراثية تأتي في المقام الأول كونها نتيجة حتمية للوحدة اللغوية للفصحى ولهجاتها، باستثناء بعض السمات والخصائص التي يتطلبها الموقع العربي بين الشرق والغرب.

ذلك لأن روافد وقنوات المنطقة العربية القديمة، لن يتكشف ويتبلور ملمحها الفلكلوري والتراثي بعامة، إلا تبعاً لإيقاع المستقبل، وتوالي المزيد من عمليات الكشف الحفري الأركيولوجي للتراث السامي: الأم والمنبع، بما يسهم بالتالي في إضاءة جوانب فلكلور وتراث عالمنا المُعاش اليوم، كما أنه في مقدور هذا المُعاش إنارة جوانب الماضي التاريخي.

مشكلات

وهناك جملة من المعوقات والمشاكل التي تعترض عملية تجميع ودراسة التراث العربي، كما يوصف الكتاب، منها: ضياع وافتقاد المصادر الأم المدونة، أو تعدادها، أو الجدب العام بالنسبة للدراسات النظرية والتطبيقية الميدانية كماً وكيفاً. وغياب وافتقاد المنهج والنظرية العلمية الصائبة التي عن طريقها تستقيم جزئيات ومكونات وديناميات تركتنا الفلكلورية العربية، ثم مدى الوقوف على ما يعلق بها من رواسب وآثار بربرية، عبودية، ووحشية همجية، ما زالت تُمارس حتى اليوم.

من هذه المعوقات أيضاً، غياب النظرية العلمية الثورية في التعامل مع هذا التراث، باستثناء بعض الجهود المحلية العربية في العراق وسوريا وتونس والمغرب والأردن، وقلة أو ندرة المواد الخام التي تُسهم (حين طرحها للمقارنة) في المزيد من إنارة طريق البحث والاستقصاء. أما مشكلة المشاكل على هذا الصعيد، فهي المتصلة بالمناهج القاصرة المغلوطة.

وما تفرضه من منع وتحريم، يصل إلى حد الإرهاب في بعض المجتمعات والكيانات العربية، إضافة إلى افتقاد معظم الباحثين في هذا المجال، للمنطلقات العلمية البديهية الأبعد إدراكاً من الفعل الغيبي، والمتجاوزة للمنتجات الروحية، وتكبيلها المعوق للبحث المنهجي العلمي.

ومن المؤكد، أنه ولنجاح عملية دراسة التراث بالشكل العلمي المفيد، لا بد، وقبل كل شيء، من التخلص من الذهن الغيبي التهويمي المنتكس في كل حالاته، والمُحيط بمخاوف تدفع به إلى الاختباء والرومانتيكية والهروب، لهذا لا بد من اللجوء للمناهج الأكثر أحقية وفائدة، ومنها المنهج البنائي القادر بشموليته على فهم ظاهرة التراث وأبعادها وعلاقاتها المتشابكة، وأبرزها التركيبات الاجتماعية الطبقية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات