عمارة الشعوب الإسلامية قبس التراث وروائع الإبداع

«لا يمكن اعتبار العمل المعجمي مُستجداً على الثقافة العربيّة الإسلاميّة، فلتلك الثقافة والحضارة ريادة في هذا الضرب من النتاج الفكري الذي وصل الذروة يوماً. ولا ندّعي ريادة تلك المحاولة المعجميّة، ولا كونها الأحسن قطعاً، ولكنها دلو متواضع، الغاية منه ملء بعض الفراغ الذي تعاني منه الحالة التدوينيّة في الثقافة العربيّة، ولاسيّما في العلوم والفنون، حتى تفوقت عليها بعض الثقافات الصغيرة».

بهذه الرؤية، يُطل الباحث الدكتور علي ثويني على جهده الكبير والمتفرد (معجم عمارة الشعوب الإسلاميّة - أعلام ومعلومات) الذي يقع في 600 صفحة، ويستعرض نحو 884 عنواناً متعلقاً بالعمارة الإسلاميّة وأبرز المشتغلين فيها قديماً وحديثاً.

أقرب الفنون لكينونة الإنسان

يرى المؤلف أن العمارة هي أقرب شؤون الثقافة والفنون إلى كينونة الإنسان وهواجسه، وسكناته وحركاته. فهي المدينة، والزقاق، والدار، والعمل، وإن وُسمت العمارة بأنها فن، فهي المفيد من ذلك الفن، وليس العابر والكمالي منه، بل هي الضروري والملموس.بين (الوصف) و(التحليل)

ورث العرب للأسف (بحسب الكتاب) خطاباً لغوياً وصفيّاً للعمارة والفنون، مازال ضارباً أطنابه في شرح الظاهرة المعماريّة وتدوينها، بالرغم من الجهود التي بُذلت (ولاسيّما من المستشرقين) في تطويرها إلى الحالة التحليليّة، بصرف النظر عن المآرب التي كان يحملها بعضهم عن تلك الثقافة واللغة. مع ذلك، ثمة طموح كبير بتطوير خطاب يسمو باللغة العربيّة من (الوصف) إلى (التحليل) وصولاً إلى (التمثيل) الذي يضطلع في البحث عن مواطن الإبداع، ومنها العمارة، ولاسيّما في تقصي الآلية التي تم من خلالها الانتقال من الحالة الفكريّة والروحيّة إلى التجسيد الإبداعي.

مصطلح غامض

من جانب آخر، لا يزال مصطلح (العمارة الإسلاميّة) غضاً ويُثار حوله لغط وشكوك عن مصدره الاستشراقي، وهل هو يمثل الإسلام الفكري أو أنه تفريغ فني لرغبة علية القوم، أو هو عملية إحياء لعمارة قديمة راسخة في عمارة الأقطار الإسلاميّة، ذات الباع الكبير في الشرق القديم، وهذا يتعدى إدراك فحوى المفهوم إلى كنه الظاهرة، الأمر الذي يدعونا إلى الجزم بأن الحالة التمثيليّة تنطبق على العمارة التي أنتجها المسلمون، بغض النظر عن الطابع الطبقي الاجتماعي والفكري والسياسي.

فهي بالنتيجة عمل أناس بسطاء، جلهم من المؤمنين، ينقلون بأناملهم سرمديّة عمارات العالم القديم، بفكر الإسلام الذي اخترق النفوس، وحرّك السجايا، ونتذكر بهذا الصدد ما علّق به المعماري المصري حسن فتحي عليها قائلاً: حركة اليد لا تصدر عن العقل وحده، بل وعن الشعور أيضاً، وذكاء الأصابع ذكاء روحي قبل كل شيء.

هدف المعجم

يحاول معجم (عمارة الشعوب الإسلاميّة) ضمن سياق التطور الفكري، القيام بتدوين العمارة، وشرح كنه المعلومات المعماريّة، وسرد حياة وفكر الأعلام، وتحليل أعمالهم، ليكون خطوة أولى في جمع قبس التراث المعماري المتناثرة في بطون المراجع، أو في ثنايا الأطلال، والاطلاع على فكر هؤلاء، يُضاف إلى ما فُصّل من الاستنتاج والاقتباس اللغوي، بما يمكن اعتباره حالة تمهيديّة لموسوعة أو دائرة معارف عن العمارة في أقطار العالم الإسلامي تباعاً.

منهجيّة البحث

اعتمد المعجم منهجيّة بحثيّة تقوم على ذكر كل الشخصيات الغربيّة التي أسهمت في العمارة والفنون الإسلاميّة، وذكر كل المعماريين المسلمين الذين وردت أسماؤهم مُشتتة في كتب التراث، وإيراد كل مصطلح جديد وطارئ في العمارة العالميّة، بما يمكن أن يُشكّل شرحه إثراء لمفاهيم العمارة الإسلاميّة، وإيراد بعض المصطلحات التي تتعلق بالفن وأدواته، والبحث في كل ما يتعلق بأصل الكلمة الوارد في اللغات القديمة، وجلها يعود إلى اللغة الآراميّة، وتداول بعض مصطلحات مواد البناء في العمارة الإسلاميّة، وتصنيف كل الطرز المعماريّة التي كانت في تماس حضاري جغرافي أو تاريخي مع العمارة الإسلاميّة، وإيراد أسماء بعض مدارس العمارة الإقليميّة، من أجل إظهار بعض الخصوصيات التاريخيّة التي اكتنفتها.

وقفة معاصرة

ويدعو المعجم إلى وقفة معاصرة في الثقافة الماديّة للدين الإسلامي، وعدم قصره على الجانب الروحي والطقوسي، في إظهار حجة هذه العقيدة، والإقرار بأهميتها. ومعجم عمارة الشعوب الإسلاميّة، كما يقول مؤلفه، محاولة لفتح آفاق لتدوين الفكر الفني والمعماري الذي تراجع أمام تقدم الاصطلاح العلمي والأدبي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات