الانطباعيون .. مقتنصو اللحظة الجمالية

«أجواء عابقة بالغناء والجمال.. تنديها روائع الموسيقى الكلاسيكية وتضمخها باقة أسماء لمبدعين رواد في التشكيل والفنون جميعاً»، تلك هي فعلياً الصورة الجميلة للزمن الباريسي الذي تبلورت فيه الانطباعيّة في خمسينيات القرن الفائت.

إذ رسمها وتحدث عنها الكاتب هنري اليكسي باتش في مقدمة كتابه (الانطباعيون)، من ترجمة د. خليل الصيادي الرفاعي: «كانت القاطرات لا تزال تنفث دخانها في المحطات، كما لم يبق العديد من أصحاب الزوارق الصغيرة، بل كل ما هنالك بعض المغامرين بالسباحة في نهر السين، نزولاً باتجاه باريس.

وكانت شواطئ بوجيفال والمارن تشهد حشوداً من عائلات المتنزهين في أيام الأحد. كانت بعض المزارع الحقيقيّة لا تزال موجودة في الضاحية الأكثر قرباً من باريس، ومقطوعات الأوبرا الإيطاليّة والألمانيّة لا تزال تُؤدى باللغة الفرنسيّة...».

ويستطرد الكاتب: ينزل المغنون إلى الطرقات مرددين أغانيهم بصوت مرتفع، تحت نوافذ الأبنية البرجوازيّة، في شارع كان يُعرف سابقاً بشارع كلود مونيه في بولون في باريس، حتى تُلقى لهم بعض النقود من النوافذ على مضض. كان هناك في منطقة ايل دو فرانس أماكن كثيرة يلتقي الناس فيها خلال فصل الربيع، عند المنحدر.

وفي ليالي الصيف، وبعد انقضاء العمل، ونظراً لغياب مفهوم عطلة نهاية الأسبوع، كان الناس يجلسون على عتبة بيوتهم في الأحياء الشعبيّة، يتحدثون ويستعرضون المارة. تلك كانت الفرحة، وتلك كانت المتعة. ومن رحم هذه التوليفة الفريدة، ولدت وانصقلت، كما يقول الكاتب، المدرسة الإبداعية الانطباعية.. وخاصة في التشكيل.

موضوعات

الانطباعيّة «impressionne»، هي ثورة في التصوير دون أدنى شك، وهي (كما يتصورها الجميع) عبارة عن مواضيع قبل أن تكون تقنية جديدة في التصوير، أو اقتراباً أكبر من الضوء، أو رؤيا سيزان المنشودة في الانقسام الهندسي للأشكال. إنها مواضيع عالم يُعاد تركيبه بأكمله، مُقتنص في لحظته الآنيّة بكل تفاصيله. عالم بلا تضخيم ولا توقف ولا تاريخ التُقط بدقائقه البسيطة، ومعالج كذلك ببساطة.

وقد أعطى رواد الإنطباعية ومبدعوها في أوقات لاحقة، التصوير في الهواء الطلق، سمة النبل، مصممين على بذل كل ما في وسعهم لإرساء دعائمه والإعلاء من قيمته، وإظهار مدى هذا التجديد في قلب عادات التصوير كلها، وإيجاد جمالية عصرهم.

هدف

تعمد الانطباعية إلى إعادة إحياء الأحاسيس والانطباعات التي يثيرها شيء ما في ذهن الفنان أو الكاتب. وباختصار، يمكن القول: إن الانطباعيّة تُعبّر عن اللحظة على الدوام والاتصال، والشعور بأن كل ظاهرة هي حادث عابر لن يتكرر أبداً، وموجه يجرفها تيار الزمان، ذلك النهر الذي لا يستطيع المرء أن ينزل فيه مرتين (بحسب هيراقليط).

في الفن التشكيلي

بدأت مغامرة الانطباعيين في الفنون التشكيليّة في عالم أخذ يقطع صلاته بعالم التحولات البطيئة. إذ سئم هؤلاء منظر الأشجار الكثيفة والمعارك والملامح الشيطانيّة في المعابد اليونانيّة والآلات الموسيقيّة الوتريّة، إضافة إلى الأغاني والألحان الرومانسيّة والخناجر وقوافل الجمال تحت ضوء القمر.

سئم هؤلاء كل هذا، لكنهم لم يتجرؤوا على المجاهرة، لأن مواقع اجتماعيّة نفعيّة ودفاع البعض عن نهج رومانسي في طريقه إلى الزوال، كانا يحولان دون ذلك. لهذا شهدت الانطباعيّة في بداياتها لحظات صعبة جداً، في مواجهتها الذوق المحافظ.

1937

مضى ما ينوف على نصف قرن من ظهور الانطباعيّة في باريس قبل أن تدخل الحكومة الفرنسيّة عام 1937 أعمال الانطباعيين إلى متحف اللوفر، وأبرزهم: إدوار مانيه، كلود مونيه، أوغست رونوار، كامي بيسارو، جورج سوراه، ألفريد سيسلي، إدغار دوغا، هنري تولوز لوترك، ماري كاسات، برت موريسو، أرمان، غيومان، بول سيزان، فان كوخ، بودان، جونكند، دوبيني، وكايبوت.

أسس ومبادئ

اتبعت الانطباعيّة طريقة جديدة في التصوير مبنيّة على نمط جديد من الرؤية، إذ كان همها الرئيس تسجيل الانطباع البصري، كما تحسه العين مادياً وآنياً. وكانت غير مكترثة بالنظم المتعارف عليها في الوقت الذي ظهرت فيه، وهي لا ترى في الطبيعة سوى تبدلاتها بحسب الضوء والمناخ والفصل والساعة، وتقوم على رفض القانون الوضعي الذي جاء نتيجة ممارسة الأعمال الفنيّة التقليديّة.

لذلك لم يعد الفنان الانطباعي يصوّر الأشياء استناداً إلى ما لديه من معرفة بها، أو ما اكتسبه من خبرة عنها، وإنما يصوّر ما يراه، وبسرعة كي يتمكن من تسجيل معالم الطبيعة الأكثر دقة وشفافية، والأسرع زوالاً، أي اللحظة العابرة لحاضر عابر، كما يحسها الفنان الانطباعي الذي كان يرى أن الفن ليس حالة ذهنيّة، وإنما يكمن في العفويّة والإحساسات المباشرة التي تنتابه أثناء قيامه بفعل الفن، ويقوم بنقلها إلى اللوحة بأمانة.

ولم يقتصر أثر الانطباعيّة على التصوير، بل تعداه إلى النحت الذي انتقل من الأسلوب الإبداعي إلى الانطباعي، ومارس النحت الانطباعي عدد من المصورين، أمثال: رنوار، غوغان، ديغا، إضافة للنحات رودان.

عربياً

انطلقت الانطباعيّة من فرنسا لتصل إلى ليبرمان في ألمانيا، وبولديني وسياديني في إيطاليا، وفبرنسكيولد وتادلوف في النرويج وماليفين وغرابا في روسيا وبرايتنر في هولندا، وموريه ورغويوس في إسبانيا، وأيضا: ويسلر في أميركا وهل في السويد.

أما في الوطن العربي فظهرت الانطباعيّة لدى ميشيل كرشة ونصير شورى في سوريا، ويوسف كامل ومحمود سعيد ومحمد ناجي وأحمد صبري وراغب عيّاد في مصر، وقيصر الجميل ومصطفى فروخ في لبنان، وعطا صبري في العراق، ويحيى التركي في تونس، ونصر الدين دينه في الجزائر، وحسن جلاوي في المغرب.

في الموسيقى

تدين الانطباعيّة في الموسيقى بنشأتها إلى موسيقيين فرنسيين بالدرجة الأولى، ونمت وترعرعت على الأرض الفرنسيّة، ودخل مصطلح الانطباعيّة عالم الموسيقى في تقرير وضعه المعهد الموسيقي (الكونسرفاتوار) في باريس، حول قطعة موسيقيّة قدمها (ديبوسي) هي (الكانتانا) المسماة (الفتاة المختارة).

وهناك من يعتقد أن الانطباعيّة الموسيقيّة جاءت كردة فعل على سيطرة الموسيقى الإيطاليّة، وتمدد الإبداعيّة الرومانسيّة الألمانيّة والخوف من انتشار المدرسة الروسيّة الوطنيّة المعاصرة في الساحة الفرنسيّة.

وأحس الانطباعيون بأدق الفروق الضوئيّة، وامتزجت الألحان عندهم تماماً كما امتزجت الألوان في لوحات المصوّرين، حيث أُهملت حدود الأشكال بتدرج لوني. واختار المؤلفون الموسيقيون الانطباعيون لمقطوعاتهم أسماء غامضة كالعنوان الذي أطلقه ديبوسي على إحدى قطعه (هذا ما رأته ريح الغرب).

1874

جاء مصطلح الانطباعيّة من فن التصوير، إثر لوحة عرضها الرسام الفرنسي كلود مونيه عام 1874 تحت عنوان (انطباع شروق الشمس). ثم أُطلق المصطلح على كل نهج فني أو أدبي يعتمد نظرة جمالية في وصف المجتمع المعاصر.

5

تميزت الموسيقى الانطباعيّة بشكل عام بعناصر خمسة، وهي: اللحن، الإيقاع، الاتفاقات، الشكل البنائي أو الصيغة، التوزيع الآلي القائم على الآلات الموسيقيّة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات