«الملهمات في الفن والتاريخ» وثيقة قِران الجمال والإبداع

صورة

تنبع أهمية كتاب / موسوعة (الملهمات في التاريخ والفن)، لمؤلفها جمال قطب، الفنان التشكيلي المصري ورسام الأغلفة المعروف والباحث في علوم الفن، من القيمة الكبرى لمنحاها التوثيقي الجمالي، المعمق، لأعمال وأسماء العباقرة من أساطين الفن العظام. ويشير قطب، بداية، إلى تكاثر الكتب التي تنهل من التاريخ والفكر الإنساني..

 وبذلك امتزجت حقائق التاريخ بمواهب المبدعين، وتمثلت قصص الأعلام في مخيلتنا ووجداننا، أطيافاً متألقة، تبحث في ذاكرتنا وبصيرتنا، دفء العواطف الأنثويّة التي تحيل الجمود إلى حيويّة دافقة، والسكون إلى مناجاة عذبة رقيقة، والصمت إلى همس شجن حنون. وهكذا كانت المرأة الملهمة مع الفنانين ورجالات التاريخ، ترقى إلى ذرى المجد، أو تهوي بهم إلى القاع.

الملهمة في الفن

الملهمة (كما يحددها الفنان قطب) هي المرأة في الحياة، أو هي الحياة ذاتها.

وكما يجد، فانه كانت المرأة ولا تزال، تحظى بقسط وافر من اهتمامات المثقفين وعلماء الجمال، بدءاً من عهد تاليس وأرسطو وسقراط وأفلاطون، وحتى الفلاسفة المعاصرين الذين ربطوا بين الحب والفن والجمال، وكأنها قضية لا تقبل المناقشة.

الإلهام عند المبدعين

يرى جمال قطب أن الإلهام عند المبدعين هو القوة المحركة لمكامن الموهبة والابتكار، وهو الإثارة المعنويّة الحسيّة والجسديّة لأطياف تداعب القلوب، وتشعل جذوة الخيال، يهفو إليها الفنان مدفوعاً بالإعجاب والحب ورقة الإحساس، وليس أقدر على تحريك هذه المشاعر مجتمعة من إيحاءات المرأة الملهمة.

ويستدرك مؤكداً أنه ربما يكون وراء كل عظيم امرأة، ويحتمل ان تكون المرأة سبباً في أن يصعد الرجل سلم المجد والشهرة والفخار، وربما تكون في الوقت ذاته، سبباً في فشله ونكبته، والأمثلة على ذلك كثيرة، ترويها الكتب ولوحات المبدعين الموزعة في متاحف العالم، منها: هيلين فاتنة طروادة مع حبيبها باريس، كليوباترا مع قيصر وأنطونيو.

"ذات الابتسامة الخالدة "

يشير الفنان قطب إلى أن الفن الإسلامي لم يحظ بصور النساء الشهيرات اللاتي أضفن صفحات مضيئة إلى التاريخ الإنساني على مر العصور، بعكس الحال في الفن الغربي.. لكن مع ظهور حركة الاستشراق الفني، وتعاظم نشاطها، انهالت أعمال الفنانين الغربيين التي استلهموها من تاريخنا وعاداتنا وتقاليدنا..

بل واقتحموا علينا مخادعنا، وأبدعوا في رسم أجنحة الحريم والجواري وسيدات القصور والخدور وربات الجمال، مطلقين عليها أسماء عديدة، منها: شهرزاد، جارية السلطان. وأما في الحضارة الغربية، فيتحدث قطب عن ذات الابتسامة الخالدة: (الموناليزا) ملهمة دافنشي الشهيرة، التي جسدها في اللوحة المعروفة بهذا الاسم أو بالجوكنده.

حسناء فرنسية

(مركيزة دي بمبادور) حسناء فرنسيّة فاترة المشاعر، متجمدة الأحاسيس والعواطف، بخلاف ما كان يدل عليه مظهرها وجمالها الآسر، التقاها بالمصادفة لويس الخامس عشر، فملكت لبه، ودخلت فصر الإليزيه من بابه الواسع. رعت هذه الحسناء الفن والأدب، واحتضنت المواهب.. فكانت بذلك ملهمة أساسيّة لهم.

ويبين المؤلف كيف حاول العديد من الفنانين المستشرقين تصوير السمات السلبية للنساء، والمبالغة فيها، بتأثير عوامل عديدة، منها: الحكايا والقصص التي ألفت حول ما يدور بين جدران هذه القصور في الشرق، وكانت في غالبيتها قائمة على التخيل والتهويل والمبالغة، وفي مقدمتها تأتي حكايا ألف ليلة وليلة .. واستلهم فنانو الاستشراق تلك الموضوعات. ثم استلهموا نساء أخريات من الشرق، أمثال: كليوبترا وحكايا عشقها لأنطونيو.

بين الحب والسياسة

تتالت الملهمات الفاتنات في إبداعات الفنانين، لا سيّما في مجتمعات القمة، حيث كان للجمال سطوته وسيطرته، ما جعل غالبية قصص النساء الملهمات، تجمع بين (الحب) و(السياسة). ومن ذلك حكاية الفارسة الحسناء الإمبراطورة أوجيني التي جاءت إلى مصر وعاشت ليالي أسطوريّة تنهل، بين أضوائها المتلألئة وسهراتها المترفة، من متع الحياة.. وكل ذلك وُثّق بالرسوم واللوحات والتماثيل.

ويسوق الفنان قطب في كتابه، أمثلة عديدة عن ملهمات الفنانين والشعراء والأدباء والمفكرين، ومنهم : شاعر فرنسا ألفريد دي موسيه، جورج صاند، الرسام جاك لويس دافيد.

فاتنات ملهمات

يختم الفنان قطب، كتابه المثير، مع محاور: الأنثى المتمردة، الملكة الفاتنة، حبيبة الشاعر العاشق. ويجد الأولى متمثلة في اليزابيث تيودور، ابنة هنري الثامن التي عاشت قصة حب مع لورد آميرال سيمور.. وتولت عرش انجلترا وهي في الخامسة والعشرين من عمرها. إذ شجعت الرسامين ما جعل الأسواق تمتلئ بصورها. ثم أصدرت مرسوماً بعدم تصويرها نهائياً.

أما الثانية فهي الفاتنة الإسبانيّة إيزابيلا، التي أصبحت ملكة اسبانيا، وإليها قدم آخر الحكام العرب المسلمين، محمد أبو عبد الله، مفاتيح غرناطة، ووثق لهذا المشهد الحزين، الفنان الإسباني براديللا، في لوحة شهيرة . أما الثالثة فهي قصة حب فيكتور هوغو وأديل فوشيه. وما حفزه من إبداع لدى هوغو.

موقف

يستعرض الفنان قطب في كتابه، قصة شاعر العرب عنترة بن شداد، الذي هام بابنة عمه عبلة، هياماً فوق العادة، غير أن عنصرية اللون والتفاخر بالنسب وتقاليد النبش في أصل الأم والخال، أمور حالت دون الشاعر الفارس :(عنترة) وحسناء نجد:(عبلة)، التي كانت تحظى بملاحة نادرة. كما شهدت الأندلس العربية الإسلامية، ولادة شاعرة جميلة ورقيقة: ولادة بنت المستكفي بالله، الخليفة الذي لم يدم حكمه إلا عامين. إذ تغنى بهذه الأميرة الفاتنة، الشاعر والوزير الأندلسي ابن زيدون، في مساجلاته الشعريّة، عقب أن اكتوى بنار حبها. فصارت قصة عشقهما على كل لسان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات