فتحية النمر: أنحاز للجرأة في الكتابة وأرفض الروايات الفارغة

حين يتمكن الشغف بالكتابة من صاحبه، يتحول إلى وقودٍ يزوده بِطاقةٍ لا تنضب، ومع الكاتبة والروائية فتحية النمر، تحوَّلت الكتابة إلى الصديق الصدوق الذي لا يرهقه البوح، لتجول مع قلمها في زوايا المجتمع، يرافقها حسها الإبداعي في صياغة أعمالٍ جريئةٍ في تناولها لمضامين الواقع بأسلوب يعكس فكرها الواعي، ورغبتها الحقيقية في التغيير.

وفي روايتها «النافذة والحجاب»، نسجت النمر قصة حب انتصر لها القدر، إلا أنها لم تسلم من أحقاد البشر، ليدخل السحر في ثنايا تلك العلاقة الجميلة رغبةً في الرقص على أنقاضها.

وفي حوارها مع «بيان الكتب»، أكدت فتحية النمر أن جزءاً من روحها يظهر في الرواية، لافتةً إلى أن ما تقدمه من هموم يجب أن يلامسها حتى تنجح في طرحها، ومؤكدةً أنها تنحاز للجرأة في الكتابة، مستنكرة الأعمال الفارغة التي تلعب على وتر الزينة اللفظية.

مشيرةً إلى أنها وصلت اليوم إلى مرحلة صارت فيها ناقدة نفسها، ومعيبة على بعض الروايات الإماراتية تصويرها للمرأة على أنها الشخصية الضعيفة البائسة المنكسرة، كون ذلك يخالف الواقع الفعلي للمرأة في الإمارات التي يقدم كل الدعم والتشجيع لها.

عن «النافذة والحجاب» قالت: روايتي قصة حب بطلاها «مزنة» و«غانم» وتمتاز البطلة بامتلاكها نظرة خارقة للآفاق من خلال رؤاها وأحلامها التي تكشف لها حقائق كثيرة في الواقع، وهذا الجزء الذي استوحيته من نفسي، وأسميته بالنافذة، أما الحجاب فهو السحر الذي حاكه المحيطون بـ«غانم» بهدف إفساد علاقته بـ«مزنة».

خريطة ذهنية

وعن آلية اختيارها لعناوين رواياتها، ذكرت أنها تضع العنوان قبل كتابة الرواية، وقالت: اختيار العنوان مهمة صعبة جداً، كونه يختزل النص كاملاً، وعادة ما أضع العنوان منذ البداية، وقد يحدث أن أغيره بعد ذلك، إلا أنه دائماً ما يكون البوصلة التي تأخذني نحو الوجهة التي أريد.

ولفتت فتحية إلى أنها موجودة في كل عمل تكتبه، إما على هيئة شخصية فرعية أو عن طريق بعض الأقوال التي تطرحها وتعبِّر من خلالها عن آرائها وأحاسيسها، إلا أنها لا تستطيع الكتابة في نطاقات لم تختبرها من قبل، مشيرةً إلى أن ذلك يفقد النص الكثير من مصداقيته.

وتستغرق كتابة أي رواية بقلم فتحية النمر ما بين 8 شهور إلى سنة، وقالت: لا أكتب بعشوائية، بل أضع خريطة ذهنية مدروسة بعناية، أرصد من خلالها الشخصيات وطبائعها وأحدد أدوارها ومدى تأثيرها، وأضع الفكرة الرئيسة وأحدد عدد الفصول، وأكتب الأهداف التي أرغب بتوصيلها، ثم أبدأ رحلة الكتابة.

تقنيات روائية

وذكرت النمر أن أسلوبها يعد صعباً بعض الشيء، مشيرةً إلى أنها لا تستطيع تبسيطه بشكل كبير، فقيمة الرواية تكمن فيما تضيفه للقارئ من جديد يثري فضاءه المعرفي، وقالت: تظهر لمحات التجريد في أعمالي بحكم طبيعتي ودراستي، فقد درست الفلسفة والمنطق، ويظهر انعكاس ذلك في حوارات الرواية وأقوال الشخصيات والتسلسل الروائي.

وفي كل عمل جديد، تتبع فتحية النمر تقنية مختلفة، وعن ذلك قالت: أضع نفسي أمام اختبار جديد في كل مرة، وفي «النافذة والحجاب» فتحت المجال للبطلين الرئيسيين «مزنة» و«غانم» للبوح والسرد، تاركةً المساحة الكبرى لـ«مزنة»، ومساحة أخرى صغيرة للسيدة التي قامت بعمل السحر بين البطلين، وأرى أن ذلك أوصل الفكرة للقارئ بشكل قوي.

وقد اتبعت فتحية في روايتها السابقة «كولاج» تقنية تعدد الأصوات من خلال ترك المجال لخمس شخصيات للحديث.

محاذير

وذكرت النمر أن الصعوبة الكبرى في كتابة الرواية تكمن في محاذير محددة تقيد الكاتب، لافتةً إلى أنها تتحداها بذكاء، وقالت: يجب أن تتسم رواياتنا بحس الجرأة بهدف عكس الواقع وكشف السلبيات لمحاربتها ولكن بأسلوب أنيق وراقٍ، وعلينا تشجيع هذه الروايات كونها تخدم المجتمع. وأستنكر الأعمال الفارغة التي ترتدي رداء الزينة اللفظية، لأنها لا تقدم أي جديد ولا تنفع القارئ.

واعترفت النمر بأنها راضية عن المستوى الذي وصلت له في عالم الكتابة، لافتةً إلى أنها أصبحت ناقدة نفسها وأعمالها، وقالت: أحب النقد بقدر حبي للرواية، وأتابع كتب النقد وأقرأ فيها بشكل دائم، وقد أصبحت اليوم ناقدة نفسي، وتوصلت لثغراتي، إذ لاحظتُ أن أسلوبي يتسم بالاستطراد والإسهاب كوني أمتلك تدفقاً لغوياً، ما دفعني للتركيز على تكثيف الفكرة من خلال انتقاء المفردات، والبعد عن المط والتطويل.

وعن تقييمها للرواية المحلية النسائية، قالت: هناك أقلام جميلة تستحق الإشادة بها، وأخرى منحها البعض فوق ما تستحق، رغم أنها تفتقر لنقاط قوة كثيرة، وهنا أؤكد على أن الكتابة يجب أن تلامس روح القارئ، لأن المادة المقروءة هي التي ستبقى.

استياء

وعبرت فتحية النمر عن استيائها وانزعاجها من بعض الروايات التي تُصور المرأة على أنها مسكينة وبائسة ومنكسرة، لافتةً إلى أن ذلك لا يمت بصلة إلى الواقع الفعلي في الإمارات، وقالت: دائماً ما كانت المرأة حاضرة وتلقى كل الدعم من الدولة، ولا أزال أذكر جدتي بقوتها وحكمتها وحشمتها متمثلةً أمامي، تماماً كما أرى فتيات الإمارات اللواتي يتصدرن المشهد اليوم بقدراتهن الكبيرة والمناصب التي حصلن عليها وتفوقن في إثبات جدارتهن فيها.

«النافذة والحجاب».. حب يحاربه البشر وينصره القدر

جاءت رواية «النافذة والحجاب» في 221 صفحة، لتكشف عن سر يتعلق بالعالم الروحاني لكاتبته، التي تتشابه مع بطلة الرواية بالرؤى التي تزورها كل ليلة وتوضح لها الكثير من الحقائق، ولكن دون أدلة أو شواهد، ليمتد جسر بينها وبين أمكنة لا يعرفها ولا يحس بمداها سوى أمثالها.

بطلا الرواية هما «مزنة» وغانم«، اللذان يربط بينهما حب ينتصر له القدر، إلا أن أحقاد البشر لا تلبث أن تفسد الجمال في تلك العلاقة، لتطالها يد السحر والشعوذة.

لا عشوائية

اختيار الكاتبة لاسم البطلة»مزنة«لم يكن عشوائياً، بل قصدت بها الغيمة التي تحمل الكثير من الخير في داخلها، فهي إنسانة متعلمة مثقفة حصلت في حياتها على فرص كثيرة للزواج، لكنها رفضتها ذلك لأنها لم تلامس روحها، ذاك حتى وصلت إلى الأربعين، لتلتقي صدفة بشاب يصغرها بالعمر، عانى مرات كثيرة من تعثر زواجه، لعدم شعوره بالارتياح مع أي فتاة كان يمكن أن يرتبط بها، ما أدى لقطيعة بين أسرته وأسر فتيات كثيرات.

يلتقي»غانم«بـ»مزنة«، ليندفع نحوها بمشاعره، إلا أن المشكلة التي تواجههما تتمثل في عدم تقبل المجتمع لارتباطهما بحكم الفارق في السن، لترفضها عائلته ويدخل في كثير من الصراعات مع المحيطين به، حتى تقوم إحدى أمهات الفتيات التي قطع ارتباطه بها بعمل سحر لإفساد علاقة الحب التي تجمعه بـ»مزنة«، إلا أن كل المحاولات تبوء بالفشل، ويتزوج غانم ممن أحبها قلبه.

وعي

أرادت الكاتبة من خلال روايتها أن تساهم في تشكيل وعي مجتمعي، يعيد ثقة القراء بمفهوم النصيب، وترك الفرصة للإنسان ليختار الحياة التي يريد، وتعزيز الإيمان بالقضاء والقدر، إلى جانب تصحيح بعض المفاهيم، من خلال حمل»مزنة«الذي يواجهه الكثيرون بالاستغراب، وذلك لتخطيها سن الأربعين، إضافةً إلى دهشة الطبيبة من عدم معاناة البطلة من أية مشكلات صحية، وهو ما يعانيه أصحاب هذه المرحلة العمرية مشوبة بنظرات مغلوطة من المجتمع.

»النافذة والحجاب» تلامس قضايا اجتماعية عديدة، تمنح مساحة واسعة للمرأة للاسترخاء، فالعمر ليس هاجساً، وليس عائقاً أمام تحقيق الأحلام، كما أن الرواية جاءت بمثابة تحذير من غدر الناس الذي قد يأتي من أقرب المقربين.

محطة

تضع فتحية النمر في الوقت الحالي، الخطوط الرئيسة لروايتها الجديدة، وتعود فيها إلى الماضي الجميل، يدفعها حنينها الكبير، وخصوصاً بعد رحيل والدها، وقالت: اختنقت بحنيني، ولن أستريح حتى أسترجع على الورق الماضي الذي عشته مع والدي، وكيف تكونت شخصيتي في ظل رعايته وإرشاداته، وأرصد العلاقات الطيبة مع الجيران القدامى، وقد اخترت من 10-15 شخصية ستكون حاضرةً في الرواية، ووضعت الخطوط الرئيسة للحكاية، ولن أتعجل في إصدارها بل سأجعلها محطة راحة، وستكون إضافة حقيقية لي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات