الروائية الهندية أرونداتي روي: الأدباء مطالبون أن يكونوا أكثر تأثيراً لا انتشاراً

صورة

حلم خفيف وغريب كان قد راود الأديبة الهندية أرونداتي روي، ليلة حصولها على جائزة «بوكر» عام 1997 عن روايتها «إله الأشياء الصغيرة»، خيّل إليها فيه، أنها سمكة تنتزعها من الماء يد زمردية كثيرة العظام، بينما يدوي صوت يخاطبها بأن تطلب أمنية، إذ ردت على الفور«وذلك في المنام طبعاً»: أعدني إلى حيث كنت.

وفور هذا الحلم، أدركت روي أنها على مشارف شهرة عريضة، وذلك وفق ما أكدت في حديث لها أخيراً. وكذا كانت تعلم أن حياتها ستنفجر، وأنها «ستدفع الثمن غالياً». وقد فعلت، إذ يكاد يكون مستحيلاً رؤية روي بوضوح من قلب سديم التبجيل والتملق والثورة والشهرة، الذي أحاط بها منذ نشر روايتها «إله الأشياء الصغيرة».

وكان يُحتفى بها كونها رمزاً للهند الصاعدة، وكانت تستعرض إلى جوار صانعي القنابل وملكات الجمال. وطغى اهتمام بارز على مرحلة عيشها في أحد الأحياء الفقيرة وعملها مدربة أيروبيك. وأُسبغ الثناء والمديح على روايتها، فقورنت بـ: فوكنر وماركيز، ووصفها أحد حكام بوكر: «هناك شيء طفولي ما حول روي. إنها تملك قدرة هائلة على الإبهار».

عزوف وثناء

بدت روي عازفة عن الرغبة في أن تكون جزءاً من ذلك كله، فقصت شعرها بعد نيلها «بوكر»، وعزت الخطوة في حديث لصحيفة «نيويورك تايمز»، بعدم حبها لأن تعرف بـ«المرأة الجميلة التي ألفت كتاباً». وتبرعت بالمبلغ لإحدى المجموعات، وحولت اهتمامها من عالم الخيال إلى الحركات الشعبية المتفشية في الهند، فحصدت الثناء لالتزامها بالقضية، وواجهت عقبات واتهامات كثيرة، لكنها عادت بعد 20 سنة إلى قواعدها وطالعتنا برواية تنتمي لعالم الخيال بعنوان «وزارة السعادة القصوى»،

لكن، أيصح وصف هذا العمل بالرواية؟ وربما أن ذلك غير جائز، فحكاية «وزارة السعادة القصوى» الضخمة المتمددة، تسير في خطين أساسين، يتبع أحدهما «أنجوم» المكافحة لإيجاد قوتها في دلهي، ويقتفي الثاني «تيلو» المعماري السليط الوسيم، الذي تحول إلى ناشط، والرجال الثلاثة الذين يقعون في حب أنجوم.

لكن، كما في القصة السابقة، هناك أكثر من مجرد لمسة الحكاية الخيالية والكامنة في بساطة العمل الأخلاقية، أو في وضوحه. إن العالم الذي تستحضره روي عنيف بالغالب، لكنه غير مربك أو معقد حتى على الإطلاق، تسبغه ثنائية البراءة والشر.

ازدواجية

يطغى نوع من الازدواجية حول نظرتنا لكتابة روي الروائية، فنجدها في آن، مشاركة في العالم الحقيقي ومهجورة من منابع ومصادر الوحي العبقرية التي تدفع وتغذي المبدعين.

تناقش روي عودتها إلى عالم الرواية: «كان يتعين عليّ أن أجد لغة أخبر بها القصة التي أريد، ولا أعني باللغة الإنجليزية أو الهندية أو الأوردية أو الماليالامية، بالطبع، بل أمر آخر، طريقة ما لجمع العوالم التي تهشمت».

تقيم روي مفارقة بين مقالاتها ورواياتها، فتعتبر أن «الأدب القصصي ليس اختصاماً أو جدلاً، إنما الكون بأسره». وتضيف تعليقاً على فترة الـ20 عاماً الفاصلة بين الرواية الأولى لها، فالثانية: «لا يتعلق الأمر بإيجاد فترات هدوء ما بين المقالات لأضع رواية (وزارة السعادة القصوى)، فأنا أحب الكتابة في زمن الفوضى. وقد أخذت روايتي وقتها، هذا كل ما في الأمر».

جعلت السنوات العشرون من روي أكثر حدة وإصراراً على ما تستطيع الرواية، وما ينبغي لها أن تحققه. ولأنها تقف بمنأى عن تيار المبيعات الأفضل، وتعيش حياة بسيطة، تجدها قادرة اليوم على كتابة ما تشاء. وتصرّح معلقة: «الروايات بالنسبة لي سهلة التدجين، والتأطير ضمن فئة ما أو حول تيمة ما بحيث تصبح أكثر مبيعاً.

لكن يتعين عليها أن تكون أشبه بمدينة، غير مصممة مسبقاً بأحياء قديمة وأخرى جديدة وطرقات مسدودة. ولا تتحلى (وزارة السعادة القصوى) بالقوة إلا إذا ربطت بين القومية والتاريخ والعنف، كل ذلك له أهميته».

طبعاً، يكتنف ذاك التأثير الفسيفسائي في أعمال الكاتبة الهندية، مخاطرة تركيبية، ولكن روي تقول: «هناك دوماً إشارة ما تنذرك إلى أي مدى تستطيع الذهاب. من الأهمية بمكان لنا نحن معشر الكتّاب، أن نكون أكثر خطراً عوضاً عن أن نصبح الأكثر مبيعاً، ذلك دون أن نتحول إلى شهداء، وأن نعرف كيف نعيش في مجتمع ومتى نتكلم، ومتى نظل صامتين».

ويرى كثير من المعجبين الأدبيين بروي، في إبداعها الممتد عبر السنوات العشرين الماضية، شيئاً من الأحجية، ويتساءلون: هل هي شخصية أدبية بالفعل، أم أن روايتها الأولى كانت مجرد رمية من غير رام؟ وتجيب روي عند سؤالها عما إذا كانت كاتبة أدبية أو لا، بالقول: «ليس هناك بنظري أرفع وأسمى من الرواية. لا شيء. إنها تمثل جوهر من أكون بحق، فأنا حكواتية، وتلك هي بالنسبة لي الطريقة الوحيدة التي يتجلى من خلالها معنى العالم، بكل ما يحمل من روايات».

سمات وتمايز

إن كانت المقالات التي كتبتها روي طوال المدة الماضية، قد أنهيت في موعدها المحدد بفعل تواتر الأحداث، والنشاطات المتنوعة والأحكام القضائية، إلا أن الرواية برأيها: «تأخذ وقتها. ليس هناك من استعجال. لا يسعني أن أكتب بوتيرة أسرع أو أبطأ مما فعلت، الأمر أشبه بصخرة رسوبية تكدّس الطبقات، وتطوف في المحيط. الفارق بين الرواية والكتابة الواقعية كالفارق بين الإلحاح والأبدية».

خيال ثرٍ

تكاد روي، نتيجة العداء الاجتماعي المحيط بها، بفعل مواقفها ورؤاها، تكوّن لديك الانطباع بأنها شخصية غير مرغوب فيها في الهند، لكنها تؤكد أن لا شيء أبعد عن الحقيقة من ذلك.

ربما تمكنت هذه الكاتبة، الحاصلة على جائزة بوكر، أن تنجو لوقت طويل، بعيداً عن الروايات، لأن الحياة التي كانت تعيشها مشبعة بخيال ثري لصيق بالقصص. وهي لم تكن مستعدة أصلاً لدائرة الأضواء التي أحاطت بها عقب نجاح قصتها الأولى. وتحكي في الخصوص: «الجوانب السلبية كانت جدية، وقد وصلت إلى مرحلة فكرت فيها (هل سأندم فعلاً لتأليفي تلك القصة؟)

لم أكن إطلاقاً من الناس الذين يفكرون، آه حسناً، بما أنني ثرية الآن سأذهب للعيش في لندن أو نيويورك وأحيا الحلم، فأنا نوعاً ما ترهبني وتزعجني حفلات الكوكتيل، وتتلخص نظرتي للكابوس بمجموعة أشخاص يقفون متأنقين في غرفة وهم يحملون الكؤوس. إن ذلك يرعبني!».

وتعترف روي بأن أكثر ما يثير حفيظتها، بل «ويصيبها بالجنون» كما تقول، سماع أحدهم يصنفها بأنها صوت الذين لا صوت لهم، إذ تؤمن بأنه لا يوجد شيء اسمه «صوت الذين لا صوت لهم، بل صوت مكممي الأفواه قسراً، أو غير المسموعين عمداً».

«سعادة قصوى» ممزوجة بالضحكات والدموع والتحديات

انتظر عالم الأدب عقدين كاملين، حتى أصدرت روي أرونداتي روايتها الثانية، ولكن ذلك الانتظار، كان، ربما، كما يؤكد نقاد كثر، ذا جدوى، إذ أثمر عملاً متفرداً.

تلك هي قصة «وزارة السعادة القصوى»، التي تشكل فعلياً، كرنفالاً صاخباً مضحكاً ومستخفاً، وهادفاً أيضاً. وإن الموكب الاستعراضي اللامتناهي من غرابة الأطوار قد يكون منهكاً أحياناً، لكن سياسة روي المتبَّعة في الشمولية غير التمييزية ليست مجرد خيار تمهيدي، بل إنها تعبير أدبي عن التضامن، وثيمة جوهرية تعبّر عن سياسة روي وكتابها.

وتشرّح روي في الرواية، طبيعة الحياة من خلال نظرة الشخصيتين الأساسيتين، أنجوم: المرأة المنبوذة المجسدة لمعنى المأساة.. المعتصمة بمقبرة دلهي ملاذاً، وتيلو: المهندس المتمرس العاشق.

وتتشابك فصول الرواية في سرد قصصي ساحر يتماهى بتعقيداته وواقع السقوط الناجم عن الانفصال الدموي، وتقحم أبطالها في موضوعات القومية والانقسام، بكل ما ينطوي عليه ذلك من فظاعات ومجازر.

وتصطحب روي القارئ في متاهة عابقة بالفوضى والحياة عبر رحلة تشبه شوارع دلهي الحديثة. وفي حين يمكن تصنيف حكايتي أنجوم وتيلو، ضمن إطار قصتي عشق منفصلتين لشخصين تعيشان على هامش المجتمع، فإنهما يخدمان هدفاً أكبر يسلّط الضوء على العيوب الصارخة للأنظمة في الهند وسواها.

وتقفز الروائية في مسعاها لأن «تصبح كل شيء» بخطوات جبارة، وتبدو واثقة من قدرة القارئ على ملء الثغرات واللحاق بها. وتتطلب «وزارة السعادة القصوى» لذلك درجة معينة من التركيز والتأمل المتوازيين.

الرواية غنية بالملفات والمذكرات والتقارير والحكايات والسرديات. إنها الرواية التي كان يؤمل من روي كتابتها، فهي ساخرة لكن متعاطفة، تشق المسار الروحي للغموض التجاوزي بشاعرية شبه قارية قلّ وجودها في الكتابة الإنغلو- هندية.

«طفل بعد منتصف الليل»

تتمخض رواية روي عن خلاصة بدائل، وتوجد لكل حركة مقاومة شخصية، حيث حيوات وصراعات الشخصيات تتشابك، لترتسم ملامح رواية تمثلهم جميعاً، تكرّم صراعاتهم وتحتفي بانتصاراتهم مهما كانت صغيرة.

لا وجود للضحايا في «وزارة السعادة القصوى»، التي تدور أحداثها في مقبرة المدينة، حيث تفترش مقيمة سجادة رثة بين قبرين. وعلى الممشى الإسمنتي القريب، يظهر طفل فجأة بعد منتصف الليل، في سرير من قمامة. أما في الوادي المغطى بالثلوج، فيكتب والد لابنته ذات الخمس سنوات، عن عدد الأشخاص الذين توافدوا إلى جنازتها. وفي منزل «جنات للضيوف»، يتعانق شخصان عرف أحدهما الآخر طوال حياته، وكأنهما يلتقيان للمرة الأولى.

إنها طائفة من الشخصيات التي لا تُنسى، عالقة في قبضة التاريخ، في حكاية تروى همساً وصراخاً، بالضحك والدموع. وتسرد قصة عشق واستفزاز، أبطالها من الأحياء والموتى، الناس والحيوانات كسرهم العالم وضمد جراحهم الحب، ولهذا هم لا يستسلمون.

صوت العشب

تخيلت روي في العمل، نعيماً متمايزاً بطبيعته، أبرز سماته: التجارب المريرة والقدرة على التحمل والصبر. إذ تعيش أنجوم، بطلة الرواية، في عائلة متعددة الأجيال وتربي طفلاً، وتنتقل في ما بعد مع بعض الشخصيات للعيش في مقبرة، حيث تنام بين الأضرحة، وتزرع النباتات، وتخلق نوعاً جديداً من العائلات التي تلغي الانقسامات بين عالم الأموات والأحياء.

وتقطع روي أشواطاً في تحقيق آمال الروائية جورج إليوت بانخراط أكثر إحساساً مع العالم، يتجلى ذلك عندما تكتب: «لو كانت لدينا رؤية وإحساس ثاقبان بكل نواحي الحياة الإنسانية العادية، لكان الأمر أشبه بالإصغاء إلى صوت نمو العشب وضربات قلب السناجب، وكنا لنموت لسماع صوت الزئير الكامن في المقلب الآخر من الصمت».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات