سعاد مخنت: أحببت الصحافة لكني لم أختر درب المخاطر

صورة

شكلت الصحافية الشابة سعاد مخنت، الألمانية الجنسية العربية الأصل، التي تجمع في جذورها بين المغربية والتركية، في السنوات الأخيرة، ما يشبه الظاهرة في وسط الإعلام العالمي الغربي، وذلك للنجاحات التي حققتها سواء على صعيد مهنتها كصحافية استطاعت مقابلة قادة في الجماعات الإسلامية المتطرفة لم يجرؤ أو يتمكن غيرها من الوصول إليهم، أو لكونها امرأة ومسلمة وعربية نجحت في عملها مع أكبر الصحف الأجنبية في أوروبا والولايات المتحدة، ولتعزز نجاحها بعد إصدارها منتصف العام الجاري 2017، كتاب مذكراتها «طُلب مني المجيء وحدي - رحلتي وراء خطوط الجهاد»، ليتربع على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في موسم الصيف الماضي، لكل من صحيفة «واشنطن بوست» ودورية «الناشرون الأسبوعية».

وبهدف معرفة المزيد عن تجربتها ودوافع نجاحها، التقى «بيان الكتب» الكاتبة ومراسلة صحيفة «واشنطن بوست» خلال تواجدها في معرض الشارقة الدولي للكتاب، بمناسبة إصدار النسخة المترجمة لكتابها، بمبادرة من «روايات»، إحدى شركات مجموعة «كلمات».

لماذا اخترت هذا الجانب الخطر من العمل الصحافي؟

أحببت الصحافة لكني لم أختر الدرب المرتبط بمخاطر الحروب. ولنقل إنها اختارتني بعد أحداث 9/‏‏‏‏11 في الولايات المتحدة الأميركية بعام واحد، حينما حضرت مع غيري من الصحافيين مؤتمراً صحافياً لامرأة أميركية فقدت زوجها الإطفائي خلال تلك الكارثة.

والخطاب الذي وجهته لنا كان بمثابة نقطة تحول في مسيرتي المهنية، حيث قالت «أُحملكم أنتم الصحافيين والسياسيين مسؤولية ما حدث». ورداً على تساؤلنا: لماذا، قالت: «نحن لم نكن نعلم أن هناك في العالم من يكرهوننا إلى هذه الدرجة. ربما لو علمنا، لتداركنا ما جرى وتفادينا المأساة».

ونظرت إليّ مباشرة بعد جملتها الأخيرة، وانتظرت مني الرد لكوني العربية المسلمة الوحيدة. بالطبع لم أستطع إجابتها فأنا لم أكن على اطلاع ومعرفة كما أنا اليوم. وفي طريق عودتي إلى العمل، نظرت إلى زميلي وصديقي الذي أصبح اليوم رئيسي، وتساءلت بصوت مسموع: «لماذا لا نتحدث إلى هؤلاء، إن كانت لديهم الإجابة عملياً. عملنا يتطلب التحدث مع مختلف الأطراف كالقاعدة وطالبان ولاحقاً داعش.. وغيرهم. بالطبع وافقني الرأي، وقال: ولكن كيف نصل إليهم؟!».

بعد تلك اللحظة، بدأت رحلة جديدة في عملي وبدأت التواصل مع المتطرفين وذهبت إلى المناطق التي يعيش فيها الأشخاص المطلوبين على رأس القائمة «بي». وهذا السعي بهدف نقل فكر الآخر ومحاولة معرفة دوافعه، ليتمكن المعنيون بهذا الشأن من إيجاد حلول جذرية. وأيضاً كي لا أقف صامتة مرة أخرى أمام شخص فقد عزيزاً دون قدرة على الإجابة.

تقدير كل لحظة

كيف تتغلبين على خوفك من المخاطر، وهل تغيرت بعدها نظرتك للحياة؟

وجدت نفسي مرات عدة في أوضاع وظروف لم أكن على يقين بأنني سأنجو منها، ويمر خلالها في ذهني شريط حياتي ووجوه أعز الأشخاص إلى قلبي. هذه المواقف دفعتني لتقدير كل لحظة من حياتي والاحتفاء بالوقت الثمين الذي يرتبط بمن أحبهم.

وأصبحت أرى الحياة من منظور مختلف، فأنا أقدر وأحترم الأشخاص الساعين إلى مد جسور التواصل بين الحضارات والحوار بين الثقافات، وهي رسالتنا كإعلاميين.

أما كيف أتغلب على خوفي، فهذا مرتبط بجملة قالها لي جدي وأنا طفلة ولا تزال معي، «لا أريد مغادرة العالم قبل بذل أقصى جهد في عملي...». وذلك لأحدث فرقاً في مهنتي ومحيط عالمي والحياة. وأسعى إلى استعادة توازني وسكينتي بعد تلك المخاطر، في التوجه إلى بيتنا في المغرب الكائن في أحد المرتفعات الجبلية، لأنفرد بنفسي هناك وأصفي أفكاري.

طريق صعب

هل ساعدك الغرب أن تكوني صحافية مميزة؟

(تبتسم وتشرد للحظات).. لم تكن حياتي في الغرب سهلة كما يعتقد الكثيرون ومنهم الشباب الذين يقولون لي إنهم يحلمون بالصحافة لكن ظروفهم لا تسمح. وتجربتي أكبر مثال، فدربي في الصحافة كان صعباً حافلاً بالتحديات والإحباطات. كنت في السادسة عشرة عندما أدركت أني أريد أن أصبح صحافية، وذلك بعد مشاهدتي لفيلم «كل رجال الرئيس» الذي بطلاه معنيان بالصحافة الاستقصائية.

واجهت في البداية الكثير من الاعتراضات من دائرة المحيط بما فيها الألمان أنفسهم، الذين كانوا يؤكدون لوالدي استحالة عملي في الصحافة إن لم أكن ألمانية المنشأ. وقبل مرحلة الدراسة حينما كنت أعمل في ثلاث وظائف، بما فيها تنظيف الأراضي، كي أتابع دراستي للصحافة، لأعود ليلاً إلى البيت لأجد أمي تضع الأواني في الغرف لالتقاط ما يتسرب من المطر.

هل يمكن معرفة الاختلاف بين مهنة الصحافة في الغرب وفي العالم العربي؟

مفهوم الصحافة يختلف من بلد إلى آخر ومن مطبوعة إلى أخرى، لذا لا يمكن تحديد الاختلاف. لكن ما أدركه أن الصحافة الاستقصائية تتطلب حماية ودعماً للصحافي من قبل مؤسسته للحفاظ على سلامته، وفي الوقت هناك الكثير من المحررين الذين يعارضون أو يحدون من طموحات الصحافي بدافع الخوف على حياته. ليست هناك من معايير.

ما تطلعاتك وطموحاتك المستقبلية؟

الاستمرار في عملي الصحافي وتحقيق فرق في عالمنا وترك بصمة، كما آمل المساعدة في مجال الصحافة بالبلدان العربية، ومد المزيد والمزيد من جسور التواصل والحوار بين الثقافات. أما على الصعيد الشخصي، فأتمنى لقاء شريك حياتي وتأسيس عائلة.

«وراء خطوط الجهاد».. رحلة الذكريات في كهوف التطرّف

تستهل سعاد مخنت كتاب مذكراتها «طُلب منّي المجيء وحدي.. رحلتي خلف خطوط الجهاد»، بلقائها الأخير مع أحد قادة التنظيم الإرهابي (داعش) الذي أجرته عام 2014، لتأخذ القارئ بعدها في رحلة زمنية جغرافية بين العديد من اللقاءات والتجارب في بلدان أجنبية وعربية، ابتداءً من عام 1978 وصولاً إلى عام 2016.

وما يمّيز كتابها خروجه عن المفهوم التقريري ليحمل نبض الأحداث والتفاصيل خلال تحركها خلف خطوط التطرف البارزة والخفية، بدءاً من حارات ألمانيا، حيث تطرف كثيرون في أفكارهم، وأولئك الذين انتهوا للتخطيط لهجمات 11 سبتمبر في نيويورك، والطائفية في العراق.. وصولاً إلى الحدود التركية - السورية حيث تتواجد داعش. لتشمل فصول كتابها أيضاً رحلاتها عبر بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مسجلة تجاربها وما تعرضت له من مواقف مع مختلف الجهات، من الجماعات الحكومية إلى الناس العاديين.

وسط ثقافتين

وتستعرض في الفصل الأول من كتابها، حياتها ونشأتها خلال المرحلة ما بين 1978 و1993، وسعيها إلى خلق توازن بين جانبين من حياتها: الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية، محاولة إيجاد صوت لها يتوسط هاتين الثقافتين اللتين، كما تذكر، ما زالتا في حالة من عدم التفاهم. وذلك منذ نشأتها في عائلة مهاجرة في فرانكفورت. وربطت تلك المرحلة بالأحداث السياسية في منطقة الشرق الأوسط والغرب من انقلابات وغزو وحروب.

وتحكي عن نشأتها وتعارف أمها التركية على والدها المغربي اللذين كانا من العاملين المهاجرين في مدينة هيلديشايم، وزواجهما عام 1972، مع الحرص على جعلها خلفية زمنية لأحداث العنف السياسي المرتبطة بكل مرحلة من حادثة الألعاب الأولمبية في ميونيخ، عام زواجهما، وإلى «أيلول الأسود». وتسعى من خلال هذا الاستعراض إلى البحث عن البذور الأولى للكراهية التي نمت بين الثقافات.

ونتيجة ظروف عمل والديها بعد إنجابها، أرسلاها وهي رضيعة، إلى جدتها في المغرب لتعتني بها. وفي الوقت نفسه لتتعلم اللغة العربية. ويتعرف القارئ على جدتها رقية التي كانت مثل سعاد، علامة فارقة في مجتمعها، حيث رفضت الكثير من العادات والتقاليد وظلم الزوج، لتعيل أطفالها الأربعة بمفردها في مكناس ولتتعلم مهنة التمريض وتصبح قابلة.

تفاعل موضوعي

وتنتقل الكاتبة في الفصول التالية إلى تجاربها الميدانية ولقاءاتها، ابتداءً من خليّة هامبورغ الإرهابية في ألمانيا ما بين 1994 إلى 2003، حينما كانت في مرحلة المراهقة، حيث كانت عائلة ألمانية تربطها صداقة وثيقة بعائلتها تحتفظ لها بالمجلات والصحف الصادرة في ألمانيا، وتفاعلها خلال تلك الفترة مع الموضوعات التي تتصدر الساحة وقتها، حيث كانت تكتب تعليقاتها، ليتم نشر أحد ردودها في صحيفة «فرانكفورتر» العامة.

وتستمر رحلة الذكريات وصولاً إلى أحداث 11 سبتمبر، لتبدأ رحلتها مع الصحافة الاستقصائية التي شكلت مستقبلها المهني، وتستعرض انعكاسات الكارثة على العرب في الغرب والضغوطات التي تعرضوا لها، وتنتقل بعدها إلى قراءة في المشهد السياسي في العراق ولبنان والأردن والجزائر وباكستان ومصر، والذي يتزامن مع شريط ذكرياتها في مسيرة عملها، من خلال 15 فصلاً، ليحمل الفصل الأخير قبل الخاتمة، عنوان «الإرهاب يصل إلى الديار»، ليشمل النمسا وفرنسا وبلجيكا في عام 2015 و2016.

الجرح العميق

أما فصل الخاتمة «الجُرح العميق» بين ألمانيا والمغرب عام 2016، فتحكي فيه عن مخططها للسفر إلى المغرب في إجازة مع والديها بعد تغطيتها محاولة الانقلاب في تركيا، لكن وقوع إطلاق النار في ميونيخ أخذها في اتجاه آخر، خاصة وأن بعض أقربائها يتواجدون في المنطقة نفسها، لتكتشف هناك أن أحد أبناء معارفها وهو شاب يافع، قتل في الحادث. وتروي رحلة الألم منذ تلقي الخبر في المستشفى وكيف تلقى والدا الشاب خبر مقتله.

وتنهي الفصل الأخير بعد رحلة النقاهة في الدار البيضاء مع الأسرة بتلك الفقرة: «وإن كان هناك درس علمتني إياه تجربتي، فهو أن صرخة أم ارتمت على جثة طفلها المسجاة، هي صرخة صداها واحد ولا يهم إن خرجت من أم سوداء أو بنية أو بيضاء، أو مسلمة أو يهودية أو مسيحية، سنية أو شيعية. ستوارى أجسادنا في الأرض نفسها، وسيهال عليها التراب نفسه».

سيرة

سعاد مخنت. مراسلة في قسم الأمن القومي في جريدة «الواشنطن بوست». ولدت عام 1978 في ألمانيا لأم تركية وأب مغربي. أعدت تقارير حول الإرهاب لصالح جريدة «نيويورك تايمز» وغيرها من المؤسسات الإخبارية، وشاركت في تأليف ثلاثة كتب سابقة. كما أن المنتدى الاقتصادي العالمي قد وصفها باسم «القائدة العالمية الشابة». وكانت زميلة في مؤسسة «نيمان» في جامعة هارفارد، كما حملت زمالات من كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة، ومركز جنيف للسياسة الأمنية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات