الروائية الألمانية جيني إربنبك: أكتب عن اللاجئين لأكشف جراحهم العميقة

صورة

تعد الكاتبة الألمانية جيني إربنبك، من أبرز كتاب البلاد المعاصرين، الذين أثبتوا جدارتهم في ابتداع أسلوب فني خاص للإضاءة على تاريخ ألمانيا، لا سيما تلك الأرواح المضطربة التي خلفتها الحرب العالمية الثانية.

إذ تحلق رواياتها عادة، في عالم الأحلام، حيث تفقد الأحداث تسلسلها الزمني، وتأتي الشخصيات وتمضي مع تبدل الأماكن وتقلب الفصول، لكن الكاتبة في روايتها الأخيرة «يرحل، رحل رحيلاً» التي تُرجمت إلى اللغة الإنجليزية، أخيراً، خاضت تجربة مختلفة تماماً بانغراسها وسط العالم الواقعي للاجئين في أوروبا، كما في اعتمادها الأسلوب السردي المباشر القائم على حقائق عايشتها هي شخصياً.

تؤكد إربنبك التي تحركها في الكتابة النوازع الدرامية شديدة الوطأة، وفي مقابلة على موقع «بوك فوروم»، أن روايتها ليست إلا تكملة لأعمالها السابقة، على عكس ما يعتقده البعض، لا سيما في تتبع ذاك الجرح العميق الذي يخلفه الرحيل والانفصال عن المكان لدى اللاجئين.

وكانت قد تناولت سابقاً تلك الندوب في موطنها بألمانيا، وانتقلت الآن إلى مخيمات اللاجئين في ألمانيا، مستخدمة أصواتاً مختلفة في سرد قصص الانكسارات الشخصية، حيث: «كل سيرة تنتهي في حطام، وكل حياة تعاني من جرح، حتى لو بقيت مكانها من فصل إلى آخر».

تجربة سابقة

تجربة الانفصال عن المكان، سبق أن مرت بها الكاتبة الحائزة جائزتي «توماس مان» و«ستريجا»، أثناء انهيار الكتلة السوفييتية، وكانت تقطن برلين الشرقية عند سقوط الجدار، وتقول إن الأوضاع في ساحة المدينة بدت على السطح كما لو أن لا شيء قد تغير، لكن التغيير كان جذرياً، وهذا الازدهار.. !؟ كان أشبه ببلوى نزلت على السكان بتأثيراته الاقتصادية. وهي ستتأمل في روايتها الجديدة ما يظهر على سطح الأشياء، وبقدرة تلك القشرة الخارجية - حسب وصفها - على التضليل.

اختراق القشرة الخارجية

نتعرف في الرواية على شخصية الأستاذ المتقاعد من برلين، ريتشارد، الذي يعاني من اضطرابات شخصية، والذي ستجذبه قضايا اللاجئين وتحركه مأساتهم، في نوع من يقظة شخصية. وستدع إربنبك الأحداث تجذب ريتشارد للنزول تحت السطح.

ولسبب ما، سينخرط في حركة احتجاج للاجئين في مدرسة مهجورة، وسيجد المكان بطبيعة الحال «بغيضاً»، ومن ثم يترك هذا المكان البائس انطباعاً لديه عن التاريخ الحديث، فيشعر بالحاجة إلى الذهاب إليه، وهو الأرمل والمتقاعد حديثاً، حيث سيواجه بدوره نزوحه الخاص، ذاك الجرح الذي تحدثت عنه.

قضية بارزة

وفي أول اتصال لريتشارد مع اللاجئين، ستبرز قضية الهوية في الشعار المرفوع على إحدى اللافتات: «ليرانا العالم». ولكن، كما تتساءل الكاتبة: «ما ستكون عليه هوية المرء، إذا تحطمت سيرته الذاتية؟ وكيف يمكنه إظهارها؟»، لتستنتج: «بالنسبة إلى لاجئ في ألمانيا ليصبح مرئياً، سيكون عليه عبور حدود أخرى بعد، حدود غير مادية».

وعن ترجمة كتابها، تقول إنها وجدت اللغة الإنجليزية ذات علاقة قوية بموضوعها، «لأنها تتحدث بأصوات مختلفة، كالكتاب نفسه»، وتمكنت مترجمة الرواية، سوزان برنوفسكي، من إدراك رغباتها باستخدام كلمة قديمة عند الحاجة، أو تأليف لحن موسيقي. وفي سبيل الوصول إلى موسيقى عديدة الأصوات في روايتها، تقول إنها كانت مجبرة على اجتياز رحلة طويلة، إذ تطلب منها واستغرق جمع البروفسور ريتشارد مع اللاجئين الأفارقة، كتابة ثلاثين صفحة.

وقد منحت ريتشارد خلفية تعليمية لتخوله القيام بعمل استقصائي، حيث سيضع البروفسور قائمة بالأسئلة التي يرغب في توجيهها للاجئين، وهي أسئلة لم يهتم أحد بطرحها على الضفة الأخرى من البحر المتوسط، حسب قولها، أسئلة مثل: «كيف كانت تبدو الشقة أو المنزل الذي ترعرعت فيه؟ كيف اجتمع والداك ببعضهما؟.. أسئلة كانت جزءاً من عمل إربنبك، بطبيعة الحال، وهي ستوجه الشكر في مقدمة الكتاب إلى حوالي 13 شخصية من إفريقيا.

لكنها كانت محبطة كونها الكاتبة الوحيدة وسط اللاجئين، إذ تحاول إيجاد شيء ما للكتابة عنه. وتشرح عن ريتشارد، الذي يجري مقابلاته من دون إدراك دافعه للقيام بذلك، أن جلّ ما كان يدركه»هو صدمة الانهيار الوجودي. فألمانيا التي عرفها لم تعد كما كانت عليه، حتى أحياناً في اختياره للكلمات«.

قصص ترعرعت عليها

تقول إربنبك إنها رأت نفسها تعيش وسط قصص ترعرعت عليها. قصص تروي تجارب عميقة عن محاولات للبقاء. وتضيف:»في القصص التي ترعرعت عليها، كان اليهود يحاولون النجاة من الفاشيين، لكننا نعيش الآن أيضاً مع قصص ستشكل التاريخ، وهي تحدث في مدينتنا، في عالم مواز تحت السطح، ومرة أخرى هناك من يحاول مجدداً البقاء على قيد الحياة«.

لكن بقدر ما احتاجت إلى خوض تلك»التجربة العميقة«، لم تكن قصة هروب الأفارقة إلى أوروبا مصدر اهتمامها الرئيسي، بل ما هو أكثر إثارة للاهتمام بنظرها، كان ما حدث في الماضي. فهي أرادت أن تسمع عن المنزل القديم والوالدين والأشياء الحميمية.

وتضيف في الخصوص:»في كتابي، يصل كل لاجئ إلى النقطة، حيث سيكون عليه أن يتحدث عن هذه الأمور، عن عالمه المفقود. عالم قبل حطام سيرته الذاتية، فيما الكلام عن هذا هو من أصعب ما يكون«. وهي ستقتطف من مارتن لوثر كينغ مؤكدة ضرورة التحدث عن حياة أولئك وهم يصنعون التاريخ الآن، وليس بعد 50 عاماً من الآن.

قوانين جائرة

المأساة في الرواية هي أن ريتشارد لن يتمكن من مساعدة اللاجئين في لملمة حيواتهم من جديد في برلين، إذ سيُمنعون من البقاء في ألمانيا. وتؤكد الروائية على لاإنسانية تلك القوانين التي تصف تأثيرها بالقوانين العرقية لألمانيا النازية، في إقصاء الآخر عن المجتمع الأوروبي.

واللافت أن الكاتبة التي تلاعبت بالأحداث بشكل فضفاض في الزمان والمكان، ربطت نفسها بأبحاث في العالم الحقيقي، في مقابلات وعمل ميداني، في وصفة لرواية اجتماعية، وهي ستفعل ذلك بجرأة وشاعرية وأذن موسيقية ليست بعيدة عن مجال عملها كمخرجة أوبرا في برلين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات