كلاوديا رنكين: كتاباتي صورة لخوف الأميركيين السود

تتقن الشاعرة والكاتبة الأميركية من أصول جامايكية، كلاوديا رنكين«السمراء»، فن تشكيل الأحداث، سيما المأساوية منها، بإشراقة ابتسامة عابثة تتماهى إلى حدٍّ كبير مع كتاباتها التي تتبعثر بين نصوص متنوعة في مؤلفات غنية كان آخرها بعنوان «مواطن.. أنشودة أميركية»، الذي يحفل بالصور اللافتة واللوحات المعبرة.

وأمعنت الكاتبة في حديثها لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أخيرا، في كسر حدة التوتر بضحكات صاخبة عارفة، وهي تعلّق على خسارة الفنانة بيونسيه أمام أديل بالقول: سيخسر الفنانون البيض أمام السود، كما فعلوا دوماً، لدرجة أن الأمر أصبح ضرباً من الكليشيهات العقيمة.

وشكّل عمل كلاوديا رنكين«مواطن.. أنشودة أميركية» الصادر عام 2014 مفاجأة الكتب الأكثر مبيعاً، إذ عاين قضايا العرق والتمييز العنصري بمزيج من الشعر والنثر والصور، ودفع بكاتبته إلى المسرح الوطني كواحدة من طليعيي كتاب أميركا الذين وثقوا تاريخ العلاقات العرقية ماضياً وحاضراً. وفازت في سابقة من نوعها، بجائزة «حلقة نقاد الكتاب القومي» المرموقة، عن فئتي الشعر والنقد.

طبقات لا متناهية

تجلس رنكين مرتاحةً مع سنواتها الثلاث والخمسين في المطعم الذي اعتادت أطباقه الصحية منذ اكتشفت إصابتها بسرطان الثدي، وبدأت رحلتها مع العلاج الكيماوي قبل بضع سنوات. وزينت، في أزيائها، طبقات بدت لا متناهية من القمصان السوداء مختلفة القصات، بلفّ وشاح متنافر الألوان والأزهار حول عنقها.

حيث تدلّت قلادة فضية. واختارت أحمر شفاه زهريا وضعته على شفتين ارتسمت فوقهما ابتسامة عريضة.

تجسيد حي

ورنكين مراقبة وخبيرة بالاعتداءات الصغرى التي تصدّ بخشونة ذوي البشرة السوداء وتتقاذفهم على نحو يطال تفاصيل حياتهم اليومية. لكنها ماذا تقول عن العالم الحرّ الذي يبدو مستمتعاً بأداء دوره كتجسيد حيّ للاعتداءات الكبرى:

»أشعر بأننا نعيش دور المكاشفة المفضوح مع آلية العمل التي لطالما كانت متبعة، والتي قد ارتضيناها كأميركيين لأنفسنا وخضعنا لها طوعاً، طالما أنها تُفرض تحت ستار التكتم لا الإجهار. وطالما أن القومية والمفاهيم الوطنية التي قامت على أساسها البلاد لم تتجل معالمها. لكن ما إن فعلت حتى أصيب الناس بالكآبة، وأدركوا أنهم باتوا يواجهون إفصاحاً ممنهجاً، وواقعاً يصفعهم ويبين لهم ما هم عليه بالفعل«.

وأضافت رنكين:»حقاً شعرت بالنكبة في بلادي. لكني أشعر أننا نعيش هنا، وقد رأينا الأمر قادماً، وكنا شاهدين على حشود الجماهير. كما ندرك جيداً طبيعة الأنظمة غير المنصفة، والمعادية للنساء والعنصرية، ونعلم يقيناً أنها موجودة وبقوة. فماذا كان علينا أن نتوقع؟«.

إنجاز

وبينت رنكين في الحوار أنها قد شاركت في تأسيس»معهد العنصرية الوهمية«من مال جائزة الإبداع التي حصلت عليها العام المنصرم، والتي بلغت 635 ألف دولار عن مساهمتها النقدية في»الحوار الحالي المتعلق بالعنف العنصري«، والذي من المقرر أن يستضيف معارض وعروض أداء في الغاليريات والمسارح الأخرى.

ويهدف المعهد إلى التقاط»حقيقة العرق الراسخة: وهو مفهوم مبتكر لكنه يحرّك مع ذلك، بقوة استثنائية، حياتنا اليومية، ويحدّ من حركتنا وطموحاتنا«. إنها»العنصرية الوهمية«، كما تقول، التي تخلق في عقول بعض البيض صورة للسود ترفقها دوماً بوصف مجرمين.

وهذا ما يسمح، بحسب رنكين، لرجال الشرطة بالخشية على حياتهم حين يقدمون على قتل نساء ورجال وأطفال سود عزّل. ويعنى المعهد، وفق ما جاء في بيانه»بالتركيز على البياض، لأننا نؤمن أن الزمن الحالي ينضح ببياض واضح التعبير، وكأن درجته قد ارتقت أشواطاً«.

وتشرح رنكين أهمية تفكيك مفهوم البياض، كما يحفل ديوانها الأخير بفقرات قصيرة محاطة بمساحات من البياض الناصع، فتقول:» لا يرى البيض أن موقعهم الحالي مجرد مكانة مصطنعة. ويعتقدون أنه وضع قائم على مبدأ الاستحقاق والجدارة.. أكثر من ارتكازه إلى ثقافة كاملة قائمة بهدف دعمهم، ما يدفعهم إلى الاعتقاد بأن الأمر طبيعي.

وأن كل من عداهم لا يرتقي إلى مكانتهم، ويستمر الأمر على هذا المنوال إلى أن تبدأ التحقق منه، بمعنى أنه ما لم تبدأ بالسؤال، سيظلون يشعرون على المستوى الفردي أنهم عرضة للاعتداء في أي وقت تثار مسألة العرق، بدلاً من أن يتفهموا أنهم جزء من مجتمع يشملنا جميعاً ويفرض هذا النوع من التدرجية«.

ولا تتأخر الكاتبة عن شرح تأثير هذا الفهم والسلوك على أصحاب البشرة الملونة، وتحديداً في أحد أعمالها التي أشارت فيها إلى أن السود»يعيشون حالة حداد دائم وأن الخوف يلازمهم«.

إذ تقول رنكين:» بالنظر إلى الماضي والمستقبل، أرى أننا عرضة للاستهداف الدائم باعتداءات صغيرة وكبيرة، تتعلق بإبقائنا خارج نطاقات معينة وتجردنا من القدرة على الاستمرار بالعيش«. وتؤمن رنكين أن ذلك وليد ديناميات القوة التي بنيت أميركا على أساسها، والتي تمتد حتى يومنا هذا.

تؤكد رنكين في الحوار، انها مؤمنة بكون الانخراط العام والتفكير الخاص صنوين لا ينفصلان في كتاباته، ولا تعتقد بوجود عالم خاص لا ينطوي على ديناميات عالمها السياسي والاجتماعي، وتوضح أنها تعمل بخصوصية ودقة لكي تعكس كتابتها إحساساً بما يجري حولها.

«مواطن.. أنشودة أميركية» أشعار تهجو التمييز العنصري

تصف رنكين كتابها الأخير» مواطن: أنشودة أميركية«، والذي تمتد قصائده من الغلاف إلى الغلاف متحدثة فيها حول العرق، بأنه محاولة» لسحب الأناشيد مجدداً إلى أرض الوقائع«، الوقائع التي تتضمن التحركات العنصرية اليومية، بما في ذلك من تلميحات ونظرات وأحكام مضمرة، تحركات تنشط في بيئة تكثر فيها مظاهر التمييز العلنية..

وصنفت كونها خارجةً عن القانون. وترصد الكاتبة في هذا الإطار تحركها طوعاً باتجاه الانخراط العام، والمشاركة للمرة الأولى بفعالية في النقاش العام المتعلق بالعنصرية، والذي تؤمن أنه لخير البلاد. وفي حين رفضت اعتبار الخطوة تسويقاً للكتاب، أكدت أنها كانت فرصةً عرفت من خلالها كيف يفكر الآخرون وبماذا يشعرون.

أحداث

ويشير الديوان، الحائز على عدد من الجوائز المرموقة، إلى أن»الأنشودة الأميركية«المعاصرة حبكة من القوى المرصوفة ببراعة، وخلاف في الشكل حول الشكل. ويتكوّن»المواطن«من جزئية وثائقية، وأخرى غنائية إجرائية خاضعة لاجتهاد التحليل المفصّل للأحداث.

إنه عمل يحضنا وفق ما كتب ويتمان»على عدم الاستماع للقصص من طرف ثان أو ثالث، بل الإصغاء لجميع الأطراف وتنقية الخبر من الشوائب«.

استكشاف

ويبدأ ديوان»المواطن«بالسرد بصيغة المخاطب، ويروي سلسلةً من الأحداث العنصرية التي واجهت رنكين وأصدقاءها، من النوع الذي يحدث صدمةً فورية لدى المتلقي ويتفشى في تفكيره كالسم.

ويمضي في استكشاف أنماط الظلم التي تنمو وتزدهر في ظل إتقان فنون وهم العدالة، وإظهار الأوزار النفسية التي يتحملها كل مطالب بالحق. فإذا خالفت ورفضت التخلي عن لونك المعتم فإنك مجرد مشاكس أو مجنون في عيون الذين لا يستطيعون ولا يرغبون رؤية الأساليب التي تفرض العنصرية نفسها من خلالها على طريقة الحياة العادية، سواء تمثلت بالذهاب إلى المطعم أو العمل، أو لقاء وكيل عقاري أو مقاومة الصداع.

فإذا لم تتمكن من الانتقال لممارسة النشاط تلو الآخر، دون أن تتعرض لتقويض وجودي فلا بد من أن ذلك يعني تعفناً في مؤسسات البيض يذكرك بانتظام أن مجرد حضورك بينهم إشارة على سطوعهم.

أضداد

وتنجح الكاتبة على امتداد صفحات العمل في استخدام الكثير من الأضداد لإعادة خلق أزمة غريبة، والتوصل إلى ابتكار قراءة للحظةٍ ما كان يجب أن تحدث، ولابتداع ردٍّ لا»ينطوي على التصرف وكأن اللحظة غير قابلة للحصول«. إنها اللحظة عينها التي تتحدى المنطق وتعاند قواعد اللغة.

حيث نتوقع من القصائد عموماً أن تعيد الماضي بمشاهد حية مسكوبة في إطار الحاضر. علماً أن كثراً يجزمون بأن الشعر يرتبط تحديداً بالعودة إلى الماضي بقافيته وأوزانه، وشطوره وأبياته التي صممت لجعل التكرار ممكناً وذي معنى، غير أن الماضي في»مواطن«لم ينحسر يوماً ولم يغب، فبقيت اللحظة معلقة وضاع اللحن.

«خفف عنك وتحرك»

تختم رنكين ديوانها بالقول:» لأجل أن تخلق متنفساً، عليك أن تبتدع هدنةً وتتحلى بصبر من يضع على أذنيه سماعة الطبيب«. إنه إدراك يثقل القلب، سيما حين تضيف:»هكذا تكون مواطناً، هيا، خفف عنك وتحرك«. كل ذلك دون أن تدعنا رنكين ننسى بأسلوبها المبدع التحرري المتيقن دوماً من سخريته، أنّ»المضي قدماً«لا يرادف مطلقاً»التخلي عن النسيان.

1963

ولدت كلاوديا رنكين في كينغستون بجامايكا، عام 1963، لكنها انتقلت حين كانت في السابعة مع أبويها إلى نيويورك، وترعرعت في برونكس حيث كانت والدتها تعمل كمساعدة ممرض، ووالدها كذلك. وأمضت بعد نيلها شهادة الماجيستير في الفنون الجميلة، سبع سنوات في التعليم بمعهد بارنارد.

لذا طالما كانت المدينة بيتها، حتى حين أخذتها مسيرتها المهنية من كليفلاند إلى أتلانتا وبعدها تسع سنوات في جامعة بومونا في كاليفورنيا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات