سباستيان باري: مشواري والأدب شاق عسير

يعترف الروائي الايرلندي، سباستيان باري، بأن مشواره مع الرواية والأدب شاق وعسير، ذلك أنه ما أن ينغمس في تأليف الروايات حتى تطارده الوسواس وتسكنه الأشباح.

ولا يجد مجالاً للراحة فيما أفكاره تحلق في عوالم خياله، ويقول في مقابلة أجريت معه عن روايته الأخيرة «أيام بلا نهاية»، إن الانتهاء من تأليفها كان حرفيا، كإطلاق سراحه من السجن، رغم أن الرواية منحته أيضاً «الإثارة المطلقة التي يشعر بها من يحصل على أرقام صندوق أمانات، خاص بمصرف للذاكرة».

في مقابلة أجرتها معه مجلة الشعر «إيرودروم»، تحدث باري عن التأثيرات الأهم في حياته وأفكاره، فأشار إلى أن الكتاب الذي ترك التأثير الأعمق في طفولته كان كتابا يشتمل على تعاليم دينية، في قالب من سؤال وجواب، وهو «ليس بسبب الديانة نفسها»، كما يقول، «بل لأنه كان لا يجيد مطابقة الألفاظ الخارجة من أفواه الناس.

والتي بدت بأنها تسبح في الفضاء، مع رموزها المتمثلة بتلك الخطوط المتعرجة، عندما كان صغيرا في مدرسة في إنجلترا». وهو يتذكر العار الذي لحق به، والجهود التي قام بها الأساتذة في لندن لمساعدته، بما في ذلك الاستعانة بأجمل فتاة في الصف لتدريسه، كلها لم تجدِ نفعاً إلى أن عاد إلى إيرلندا، وانتسب إلى مدرسة محلية صغيرة في دالكي بدبلن، حيث عبر هذا الكتاب المشتمل على تلك الأسئلة والأجوبة المصقولة، مثل السؤال: «من خالق العالم؟»، الإجابة:

«الله، جل جلاله، هو خالق العالم». وتمكن أخيرا من مطابقة الصوت بالرمز الذي يقابله. وهو يذكر أن أول كلمة قرأها بشكل صحيح كانت لفظ الجلالة، وكان بإمكان هذا أن يجعل منه رجل دين، لكنه جعل منه كاتباً، بل قارئاً، وهذا ما يفضله.

قلم حبر

يعتبر باري نفسه كثـــير الاعتقاد بالخرافات، مكتبه في ويكلو هيلز بإيرلندا يشبه مكتباً في بيت قديم لرجل دين، ولا يزال يستخدم إلى جانب كمبيوتر «ماك بوك»، قلم حبر اشتراه في أميركا عام 1984 ومحبرة حبر أسود موجودة لديه منذ حوالي الـ 15 عاما.

أما طريقته في العمل، فيصفها بأسلوبه الأدبي على الشكل الآتي: «أمامي كل الكتب التي اقرأها لمهمة تأليف كتابي الجديد، إلى جانب الكتب التي علي قراءتها على الأرض.

وفي النهاية لا يتبقى لي فسحة على رفوف الكتب في المنزل، فيما خارج النافذة بطرازها المعماري الجورجي، يصنع طائر أبو الحناء الذي يعيش في حديقتنا علاماته في مشتل الأزهار، دون الحاجة إلى كتب ولوحات وموسيقى، إنما فقط مجموعة صغيرة من النغمات وشجاعته الاستثنائية في وجه الشتاء».

وسواس الكتاب

وبرغم المحاولات المتكررة، إلا أن باري لا يجد إلى الراحة سبيلاً، إذ يقول: «بين الفينة والأخرى، أرتاح وأفكر، حسناً هذا ما يعنيه الناس عندما يقولون كم هو رائع الاستجمام. لكنني مثل ذلك البلغاري رافع الأثقال الذي يحمل الأوزان في الألعاب الأولمبية، أما في باقي السنوات الأربع، فيعمل على شحذ عضلاته». ويضيف بأسلوبه المتهكم: «وصفة جيدة لميدالية برونزية، للأسف».

ويوضح الكاتب أنه أحب الفترة التي قضاها في إعادة بناء منزله، ولا يزال يبتكر بعض الأعمال فيه، لأنه من الرائع أن يعود في المساء، ويحدق فيما أنجزه، سواء حائط أو بئر، لكنه يقر بأن الكتابة لا تتمتع بهذه النعمة، بالنسبة له، وعندما يفكر في الأمر الآن، فإن الكتاب يطارده كالوسواس بطريقة ما، ويصبح من الصعب جدا أن يستريح في مثل تلك الظروف.

الشخصية التي تركت الأثر العميق على أعماله، كان رئيس الأساقفة الأفريقي توتو، ويقول: «اعتبر نفسي من أنصار توتو، حيث سمعت رئيس الأساقفة توتو في حديث مع الكاتب النيجيري سوينكا، منذ سنوات عدة، يقول له: مقابل الجرائم المرتكبة من قبل البشر عموما لا شيء يمكن أن يفعله رجل، ما كان من الممكن في ظروف أخرى أن لا أفعله. وما قاله توتو شكل بالنسبة له إرشادا مهما جدا إلى التاريخ الايرلندي ومن ثم الكتابة عنه.

ومن طقوس باري المفضلة، ترتيب كل شيء في غرفة عمله، لأنه يفضل أن يكون كل شيء منظما قبل أن يبدأ بالبناء. أما أصعب ما في البناء، فهو صنع شيء يتسم بحياة مستقلة عنه، شيء لا يموت في قيوده الحية، وهو يحاول إبقاء نفسه خارجه، لكن مع وضع كل ما يعرفه داخله، كما يفعل طائر أبو الحناء في كل مرة يغرد تلك النغمات القليلة، حسب قوله.

ويرى في تلك القدرة هبة إذا لم تكرمها فستمنح لغيرك. وفي كل هذا، يعجبه قول للروائي ريتشارد فلاناغان: الكتابة هي مسيرة طويلة في التواضع. كما أنه ينظر بإجلال إلى الاقتباس مجهول المصدر:«الرواية هي قطعة من نثر تنطوي على خطأ ما».

بالنسبة له، مهنة الكتابة امتياز كبير، وكل شيء يستحق المعاناة من أجلها، فقدرة الكاتب على تدوين الملاحظات تحمل في طياتها شيئا من الحياة نفسها، وهذه هبة تتجاوز الحدود. وهو يكتب للخروج من حالة الجهل بما يسري في كوامنه، بموسم الضباب داخل منزله القديم، حسب قوله، باحثاً عن المخرج، ومتسائلا لماذا الستائر مسدلة.

استحضار للأبدي

وقال باري لصحيفة غارديان البريطانية، أخيرا، إن الجوانب المثيرة للصدمة في طفولته، والتي تجاهلها عندما كان شابا «عبر جهد من الإرادة الإبداعية»، أصبحت نقطة تركيزه وهو في الأربعينيات من عمره، ويتحدث عن روايته الأخيرة «أيام بلا نهاية»، فيقول:«هذه أيام حياتنا عندما يكون لدينا أولاد، ولا نفكر بالكبر أو الشباب، نحن فقط في معترك الحياة».

وهو يرى فيها استحضاراً للحاضر الأبدي، لمكان وزمان بعيدين جدا عن الفوضى الاستثنائية لطفولته. ويؤكد أن الأمر المهم بالنسبة له بشأن الشخصيتين الرئيسيتين في «أيام بلا نهاية»: توماس ماكنولتي وجون كول، هو«أنهما لا يزالان حيين، رفقة الفتاة الهندية الأميركية وينونا، وشكلوا جميعا أسرة، وهذا هو المآل الصحيح الوحيد للعالم».

«أيام بلا نهاية» لوحة إيرلندية لأميركا تفطر القلوب

صنفت صحيفة الأوبزرفر «أيام بلا نهاية» لباري، كأفضل رواية لهذا العام، فبعض الروايات حسب قول الصحيفة «تغرد من السطر الأول مع كل كلمة تسير بها، نحو ذروتها الحارقة».

وفعلياً، فإن «أيام بلا نهاية» هي لوحة لأميركا في منتصف القرن التاسع عشر، فترة استيلاء الحكومة الأميركية على أراضي الهنود الحمر وما تلاها من حروب أهلية، ويسردها ايرلندي شهد المجاعة والأهوال قبل وصوله إلى أميركا سعيا وراء بناء حياة جديدة.

1851

تتبع الرواية قصص عائلتين ايرلنديتين، هما دون وماكنولتي. وتفتح على مشهد في ولاية ميسوري عام 1851 أثناء دفن قتلى إحدى المعارك، ثم تستوطن في حياة الايرلندي المهاجر توماس ماكنولتي وصداقته مع ايرلندي آخر، هو جون كول، والحروب التي خاضاها معاً وصولا إلى ملجأهما الآمن في تنيسي عام 1870.

وكان توماس ماكنولتي الهارب من المجاعة العظيمة في إيرلندا، قد قطع المحيط الأطلسي على متن إحدى سفن «النعوش» سيئة الصيت، إلى كندا، أما صور جثتي أمه وأخته في إيرلندا، وما صادفه من ذكريات على السفن، فتظهر نتفاً عنها في الرواية.

ويلتقي في ميسوري بصديقه جون كول، وليست هناك نساء في هذه البلدة المليئة بعمال المناجم والمغامرين، لكن لا بد من التسلية. فيتوظف كول وماكنولتي كفتاتين راقصتين، مقابل بضعة دولارات، وهذه تشكل بداية حياتهما معا.

ويسافر الاثنان معا عبر البلاد، تحيط بهما لحظات من الجمال المهيب عبر المناظر الطبيعية لأميركا، وموجات طويلة رهيبة من العنف الشديد.

«العنف الخالص»

الشابان «الفتاتان» سينضمان وهما بعمر 17 عاما، إلى الجيش الأميركي، وفي الاشتباكات بين القبائل الأميركية الأصلية والأوروبيين الذين يسعون لطردهم من الأرض، يجد باري «قصة ايرلندية» مطابقة للمجاعة التي عاشها هؤلاء المهاجرون، ويكشف عن «العنف الخالص» للتاريخ الأميركي الايرلندي: رجال هاربون من المجاعة، غاضبون يرعبون السكان.

ويجد الشابان نفسيهما في حرب شرسة ضد قبيلة السو، محاصرين في جرائم حرب. ويقدم راوي القصة توماس ماكنولتي، شرحاً وجيزاً عن استعدادات أمثاله للعسكرية، فيقول:

«كيف كنا قادرين على رؤية الذبح من دون أن نجفل. لأننا لم نكن شيئا أنفسنا..لأنه كان يعتقد بأن لا قيمة لنا.. لا شيء سوى حثالة». وفي سرده لما جرى خلال غارة وحشية على مستوطنة هندية، ينقل التأثير المتحول لهذا الدمار على المشاركين في أحداثه:

«المزيد من الشرر تطاير، رؤية كاملة لنهاية العالم ووفاته، في تلك اللحظات لم يعد بإمكاني التفكير، فرأسي لا تصله الدماء، فارغ، ومدهوش. كنا قد أصبحنا في مكان آخر، لم نعد هناك الآن، اصبحنا أشباحا».

ثلاثي

وتتوالى صورة البلاد المسكونة بالأشباح. فمن حصيلة الانتقام الوحشي على الجانبين يتمكن كول وماكنولتي من أخذ «ابنة» أميركي من الهنود الحمر، تدعى وينونا. وخلال رحلات هذا الثلاثي عبر الحدود الأميركية، فإن توماس وجون ووينونا سيلتقون بهندي من الشاوني فقير يصطاد المحار. وهو غير قادر على الكلام بلغة وينونا لأنهما لا يتكلمان اللغة نفسها.

«رجل ارمل عجوز جانب النهر لم نتعرف على اسمه» هكذا يقول توماس ماكنولتي. لكن «أيام بلا نهاية» ليست قصة بقاء فحسب، وإنما هي قصة حب، فحياة الثلاثي الغربية، ماكنولتي وكول ووينونا في المراعي، ستتحول إلى نواة لعاطفة في الرواية، علاقة حب ووحدة عائلية سيوجدها هؤلاء، وستجعل «الحب يضحك على التاريخ قليلا».

بروق الجمال

وفي أحداث الرواية، يحاصر ماكنولتي من قبل بعض المتمردين الكونفدراليين، ويعتــقل، وعندما يطلق سراحه، فإن ماضيه يلاحقه، ويواجه الإعدام للفرار من الجيش، لكن حكمه يخفف إلى أشغال شاقة، ويلاحظ بسخرية انه «في أوقات المجاعة في سليجو بإيرلندا، فإن الكـــــــثير من الرجال قاموا بهذا العمل لإطعام عائلاتهم».

وعندما يتحرر من معاناته سائرا إلى بيته، تبرق الطريق «بجمال الغابات والحقول» أثناء اجتيازه لولايتي ميسوري وتنيسي. وهذا الرجل الذي جاء إلى أميركا معدماً ليس لديه شيء يخسره، يبقى غير واهم في نهاية الرواية، لكنه يجد سبباً ليهتم بمن يموت ومن يحيا، أو على الأقل هذا ما يبدو.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات