عبدالفتاح حيدرة: مهمة الرواية طرح الأسئلة لا تقديم الإجابات

صورة

عبر رحلة مضنية استغرقت تقريباً عشرة أيام، للوصول إلى دبي، بعدما لمس ويلات الحرب ومآسيها في وطنه اليمن، لم يجد الكاتب عبد الفتاح حيدرة أمامه، وهو اليمني المقيم في الإمارات، سوى الورقة والقلم، ليكتب عن معاناة وأهوال الحرب وممارسات الانقلابيين، التي عايشها هناك أثناء إجازته السنوية، حيث صادف وجوده في صنعاء ليلة إعلان قوات التحالف العربي «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين. وهو يبين في حواره مع «بيان الكتب»، وكذا في روايته، أنه يشعر بالألم من أعماقه حين يسمع نبأ استشهاد جند من جنودنا الإماراتيين البواسل، في ساح المعركة هناك، وكذا من إخوانهم من الدول المشاركة في التحالف العربي، وهو يؤكد أنه هناك معادلة صعبة، قدمها خلال روايته الأولى هذه، إذ رصد فيها، الحرب والحب في بلاد لا يجد فيها الحب متسعاً في العادات المحافظة، للتعبير عن نفسه.

كيف بدأت التفكير في كتابة رواية «دبي صنعاء والعودة»؟ وما سبب هذا الاسم؟

التفكير بإنجاز سردية طويلة، حلم مبكر رافقني منذ بدء الاشتغال بالكتابة والعمل الصحافي، وعندما كانت تخطر في ذهني بعض الجمل السردية أو الحوارات الثنائية تغمرني سعادة غامضة أدرك معها أنني في يوم ما سأكتب شيئاً بمحبة كبيرة، وفعلياً، تأخر هذا اليوم، ربما لأنه لم يتوافر لي الوقت، وربما لأن الشروع بكتابة رواية يحتاج إلى دافع قوي يسطر الكلمة الأولى في أي عمل طويل، وبطبيعة الحال لا شيء كما الحرب يمكنه أن يدفع إلى الكتابة وتسجيل لحظة الإنسان في محنته الكبرى كونه قاتلاً أو مقتولاً، ثم إن الظروف التي رافقت بداية كتابة الرواية كان لها الأثر الكبير في التفكير بإنجاز أول عمل سردي طويل، إذ صادف أنني كنت في صنعاء ليلة إعلان قوات التحالف العربي «عاصفة الحزم» ضد قوات الحوثيين، والرئيس الأسبق علي صالح، الذين استولوا على السلطة، وطردوا الرئيس المنتخب منها. وعندما عدت من صنعاء إلى دبي، بعد نحو عشرة أيام، عبر رحلة برية مضنية، عبرت من خلالها سلطنة عمان، وصولاً إلى دبي، شرعت الرحلة والتداعيات السياسية التي أوصلت اليمن إلى هذا الحال البائس تتحول لديّ إلى كلمات وجمل، وفق ما يتطلبه العمل الأدبي الروائي من حبكة وتقنيات. وهكذا وجدت نفسي بعد مضي شهرين، أوشك على الانتهاء من كتابة ثلث الرواية.

موضوع فرض نفسه

ولماذا اخترت التطرق إلى مواضيع الحرب في أولى أعمالك الروائية؟

لم اختر الحرب، هي من فرضت نفسها ودفعت برغبة الكتابة إلى أقصى مداها، فولدت هذه الرواية، ليت الأمر يقتصر علينا نحن الكتاب في مسألة الاختيار، الحرب هي من تقرر عندما نختار الكتابة في الأوقات الصعبة. وهناك أمر آخر: خلال السنوات التي داومت فيها على كتابة عمود أسبوعي في صحيفة «المصدر» اليمنية، منذ العام 2008 كانت فكرة الكتابة عن بسطاء الناس ومعاناتهم هي المسيطرة على ما أكتب، ربما لأني أشعر أنني واحد منهم، عائلتي من الأسر البسيطة، التي ليس لها اهتمام بالسياسة أو صراعات السلطة، أما المعاناة، فلا تتوقف. أنا في النهاية، يمني ابن تلك الأرض التي يتقاتل فيها الأشقاء وأبناء العمومة. ولذلك فما تخلفه الحرب من ضحايا ومظلومين، وما تصنعه من أهوال يخلق بداخلي رغبة الكتابة عنها.

نيران التجربة

هل أحداث روايتك مقتبسة من قصة حقيقة لامستها بالفعل أم أنها من وحي الخيال؟

لا شيء واقعياً أكثر من الحرب، واقعية إلى الدرجة التي تلمسها وتحس بنارها ولو كنت على بعد آلاف الكيلومترات، فبعد التجربة التي مررت بها في صنعاء وهي تجربة حقيقية لا تنسى، لاحقتني صور وأخبار الحرب إلى دبي..فشرعت صور ضحاياها تتدفق في مخيلتي على نحو رهيب، وهذا أمر مؤلم، ولم يعد من الممكن تجنبه. وهذا جزء من طبيعة الحرب القادرة على أن يمتد لهيبها إلى الجميع، حتى وإن كانوا بعيدين عنها آلاف الكيلو مترات.. كانت الحرب المادة الصلبة الحقيقية، وقد أثثت حولها بقية التفاصيل والشخصيات والأحداث، وما عدا الحرب وأسماء الشخصيات العامة، التي تستشهد بها الرواية من خلال ما تقوله أو تصرح به يمكن القول إن بقية الشخصيات خيالية، وربما تعثر على بعض منها في هذا الشخص أو ذاك.

كيف استطعت الوقوف، بدقة، عند محطات وتفاصيل الدور الهام الذي تقوم به الإمارات في اليمن لكي تستعيد الأخيرة شرعيتها؟

دعيني أخبرك شيئاً، وهو أنني، حتى وإن كنت أحب دبي والإمارات، وما تعنيه من تجربة وأسلوب حياة، ففي الوقت نفسه لا تزال صنعاء بتاريخها وسنوات عمري فيها، تتملك القلب. وهنا، فمؤكد أني سأكون من أول ضحايا هذه الحرب، ذلك أن أي شخص في مكاني وفي هذا الموقف، لن ينجو من الوقوع تحت تأثيرات الحرب وتبعاتها، وسيبقى الألم يتلوى بداخله كلما سالت الدماء، سواء كانت الدماء يمنية أو كانت إماراتية أو سعودية أو من أي من الدول الخليجية والعربية عامة.

شخصياً لم أكن أرغب في أن تصل الأمور في اليمن هذه الحال، إلا أن تدخل قوات التحالف العربي، كان لا بد منه لإعادة تقويم الأمور، فالمسألة تشبه خلع ضرس ينخره السوس بكل ما يستدعيه ذلك من آلام ودماء، فطالما أن الطبيب يرى أن خلع الضرس أصبح ضرورة، ولا تتوافر أية علاجات بديلة عنه، فعلينا أن نتحمل مضاعفات ذلك.

حاولت في الرواية تجنب اتخاذ مواقف سياسية جاهزة تجاه هذا الطرف أو ذاك، وهذا بالمناسبة ليس نابعاً من موقف محايد مثلاً، فأنا لا أستطيع أن التزم الحياد تجاه سلطة انقلابية في صنعاء مثلاً، ولكني أظن أن مهمة الرواية ليست تقديم إجابات سهلة وواضحة، وإنما طرح المزيد من الأسئلة، والكشف عن الجوانب الإنسانية الغامضة والعميقة التي يعيشها مجتمع الصراع.

وماذا عن دبي تحديداً، بما تمثله لك من تجربة وأسلوب حياة كما قلت؟

أنا واقع في حب دبي. تسربت هذه المحبة إلى الرواية في العديد من الفصول، ضمن السياقات التي كانت تبحث فكرة وتموضع كالملاذ، الذي أصبحت دبي تمثله بالنسبة لكل من يرغب في الاستقرار والعيش ضمن العالم الحديث، وكذا من يبحث عن الأمان، فها هنا العالم الذي يفكر بالابتكار ويهتم باستشراف المستقبل وسعادة الناس.

وفعلياً، تركت المفارقات بين الأهوال في صنعاء ورغد العيش في دبي، تأثيرها في شخصية السارد العليم، الذي يقرر في لحظة من اللحظات أنه سيتوقف عن عد السنوات التي عاشها في دبي، لاعتقاده أن من يتوقف عن فعل ذلك يصبح أحد أبناء دبي، فأبناء المدن والقرى لا يسألون عن السنوات التي يقضونها في مدنهم وقراهم، بل يسألون عن أعمارهم، لكنه وهو يحاول أن يرسخ هذا الاعتقاد في قلبه للهرب من الحرب، التي تحدث في بلده الأصلي، تلاحقه الحرب وتخطف بعض أفراد عائلته الجديدة مع أنباء استشهاد عدد من الجنود الإماراتيين في مأرب في يوم واحد، فتتضاعف معاناته، وهكذا يعيش اليمني، الذي يحب المدينتين: دبي وصنعاء، صراعاً نفسياً مريراً مع الحرب بوصفها عدوه الأول.

ما المدة التي استغرقتها لكتابة الرواية، وهل استعنت بمصادر معينة؟

أحداث الرواية تدور في عام كامل يبدأ في مارس 2015 وتنتهي في مارس 2016، لكن العمل على الرواية استغرق أكثر من عام لكتابة المسودة الأولى، ومن ثم احتجت 4 أشهر للمراجعة والتعديل حتى أصبحت جاهزة للطباعة. أما المصادر التي اعتمدت عليها فهي الاتصالات الدائمة مع الأهل والأصدقاء الذين ما إن طلبت منهم المساعدة في تزويدي بتفاصيل بعض ما يحدث، حتى تدفقت رسائلهم اليومية..وغير ذلك الكثير.

يقول «ماركيز»: أنا أكتب حتى يحبني الناس وأكسب الكثير من الأصدقاء. وأنت، لمَ تكتب؟‏

إجابة جيدة، واضحة ومباشرة، من منا لا يرغب في محبة الناس، وكسب المزيد من الصداقات الجيدة، دعيني أضيف شيئاً آخر، أنا من النوع الذي يرغب باستمرار في الحديث عما يعتقده في الحب والحرب والقبيلة والمجتمع، كل القضايا قابلة للنقاش، أتحدث إلى زوجتي وأصدقائي حول كل شيء تقريباً، وأرغب في أن أتحدث للجميع، الرواية هي استمرار للأحاديث التي نجريها مع المحيطين بنا، وخصوصاً الذين نحبهم ونطمئن في التحدث إليهم.

لكن، وقد كتبت عن الحرب والحب في اليمن، فدعيني أضيف أن ما نكتبه أحياناً يمثل اعتذاراً من الضحايا الذين لم نستطع حمايتهم أو الدفاع عنهم، ونكتب عن الحب، لأنه يستحق أن يكتب عنه من دون توقف، وخصوصاً في بلاد مثل اليمن لا يجد فيها الحب متسعاً بين العادات المحافظة، للتعبير عن نفسه.

«دبي صنعاء والعودة».. حب في زمن الحرب

تقدم رواية «دبي صنعاء والعودة»، سرداً للأحداث والشخصيات والعذابات والآمال في اليمن، خلال عام كامل، يبدأ من اليوم الأول للعملية العسكرية التي أطلقتها قوات التحالف العربي بقيادة السعودية لاستعادة الشرعية في اليمن، حيث تذهب الصفحات إلى جبهات القتال، وتعود لتلاحق خطوات الحب في شوارع صنعاء قبل أن يجرها الدم من جديد للجبهات. رواية مباشرة لشخصيات خيالية، من دون إسراف في الغموض ولا ادعاء بالحكمة، هكذا تأتي بأسماء الشخصيات العامة، وترصهم جوار بعضهم بعضاً بوضوح: هادي وصالح وعبد الملك، ترفعهم إلى مرتبة الملائكة، وتهوي بهم إلى قعر الجحيم، حيث الشياطين والأشرار، وعندما ترتفع أسعار المواد الغذائية تجمعهم العمة حالية في جملة قصيرة وتلعنهم دفعة واحدة.

«الراوي العليم»

تعتمد الرواية في سرديتها على «الراوي العليم»، الذي يجد نفسه محاصراً في صنعاء، وقد تقطعت به سبل العودة إلى دبي، حيث عمله وعائلته، في ظل العملية العسكرية، التي أطلقتها قوات التحالف العربي، بقيادة السعودية ضد جماعة الحوثيين والرئيس السابق صالح، أواخر مارس 2015. وخلال عام كامل، تدور أحداث الرواية: الأجواء المرتبكة، والمزاجات المتوترة في صنعاء في اليوم الأول للضربة العسكرية، مروراً بالسفر المضنى للكاتب- الراوي، إلى دبي، عبر رحلة برية برفقة المسوخ، الذين ولدوا في الطريق من نسل: «فرانكشتاين». وعند الوصول إلى دبي تبدأ سلسلة من الأحداث المتوترة، والمتقلبة تعصف بالجميع في بقية الفصول.

أهوال وعذابات أو مسرات ومباهج، وهذا ما تحاول الرواية قوله، إذا تجاوزنا ما يعصف بالعلاقات العشقية من جراح وآلام، لكنها في كل الأحوال مرغوبة وملازمة لأي قصة عشق، كما نستشف من ديباجات العمل، أما الجراح التي تصنعها الحرب فهي قاتلة أو مسمومة، بما تخلفه من عداوات، وتراكمه من ضغينة، وهذا ما يحدث في اليمن، كما يوصف الكاتب.

وخلال فصول الرواية، تحاول الشخصيتان كمال ونادية، منازلة الحرب بالحب الذي يجمع بينهما، وسط ظروف بالغة الصعوبة فهما في النهاية، يمنيان في مجتمع محافظ، ينظر إلى أمر الحب بعين الريبة، وفوق ذلك فإن كمال ينتمي إلى طرف من الحرب، ونادية تنتمي للطرف الآخر، ويحاولان قدر الإمكان تجنب الشراك، التي تنصبها الحرب على صنعها لهما، أما النهايات التي تسير إليها العلاقة بينهما فهي غير متوقعة.

صوت المحبة

يرتفع صوت كمال طوال الرواية منادياً بالحب وإشاعة المحبة في أوساط المجتمع، معتقداً أن كل الأمراض التي تفتك باليمنيين بما فيها الحرب هي نتاج شحة الحب، وغياب أدواته من موسيقى ولغة وثقافة. يؤمن بذلك بجدية عجيبة، وهو صوت مهم داخل الرواية التي تتطرق إلى العادات اليمنية القاسية، وبالذات تلك المرتبطة بالجانب الرجولي عند القبائل في مناطق الشمال، التي تعتقد أن الحديث في أمور الحب لا يرفع من مكانة الإنسان «الرجل»، بل ربما يحط من قدره. في الوقت نفسه، هناك تقدير عال للرجال المحاربين القادرين على حمل السلاح والقتال، وهذا أمر شائك ومعقد، ضمن التركيبة الثقافية لأغلب المناطق القبلية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات