بعد إنجازه 9 أجزاء من «موسوعة السرد العربي»

عبدالله إبراهيم: المسلمون الأوائل اكتشفوا العالم

صورة

أمضى الناقد والمفكر الدكتور عبدالله إبراهيم، الحائز جائزة الشيخ زايد للكتاب في الدراسات النقدية، وجائزة الملك فيصل العالمية في الآداب، نحو عشرين عاماً من أجل إنجاز «موسوعة السرد العربي»، برعاية مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وهو يؤكد في حواره مع «بيان الكتب»، أن مؤسسة محمد بن راشد مؤسسة فكرية لها أهمية وقيمة رفيعتان، بفضل ما تمد به ساحة الثقافة والفكر في العالم العربي، من نتاجات نوعية، توفر الانفتاح بين الحضارات، وتدعم معها كل الشباب المبدع، وأيضاً تسند جهود البحاثة المخضرمين.

ما الهدف الذي تتوخاه من «موسوعة السرد العربي»؟

هدفي من هذا المشروع الفكري المهم، استنباط القواعد الكبرى للسرد العربي القديم والحديث، من خلال تحليل المدونات السردية بأصولها المروية أو الكتابية.

وجاءت الموسوعة طبقاً لما أعتقد أنه خلاصة جهد نقدي تحليلي قام على رؤية ثقافية للظاهرة السردية. وفيها حاولت أن أبين كيف يتشكل النوع الأدبي في سياق الثقافة العربية، ثم كيف يستقيم ويصبح نوعاً مهيمناً في عصر من العصور، ثم كيف يتحلل ويتفكك، ويتلاشى، وينبثق نوع جديد في أعقابه النوع. واقتضى ذلك مني تمهيداً واسعاً لتحقيق هذا الهدف.

وتولت الموسوعة دراسة ظاهرة السرد في الأدب العربي، منذ العصر الجاهلي إلى وقتنا الحالي، فقدمت تحليلاً مفصلاً لكل الظواهر السردية الكبرى، ووقفت على الأنواع السردية الأساسية، كالمقامات والحكايات الخرافية والسير الشعبية وأدب الرحلة والرواية الحديثة، التي خصصت لها أربعة أجزاء، فجاء التوزيع منسجماً: أربعة أجزاء للسرد القديم، أربعة أجزاء للسرد الحديث، جزء خاص بالفهارس الشاملة.

شمولية

ماذا تمثل لك هذه الموسوعة الكبيرة؟

تمثل «موسوعة السرد العربي» خلاصة عملي في مجال السرديات، وقد خصصت لدراسة الظاهرة السردية العربية باعتبارها ظاهرة ثقافية، وليس ظاهرة أدبية فحسب. أعني بذلك، أنها ظاهرة قامت بتمثيل للخيال العربي منذ العصر الجاهلي إلى نهاية القرن العشرين. فهذه الظاهرة لا تقل، على الإطلاق، عن الظاهرة الشعرية، ولا عن سواها من الظواهر.

وتتبعتها بتحليل واستنطاق موسعين منذ العصر الجاهلي مروراً بظهور وعصر الإسلام، ثم العصور الإسلامية الوسيطة، كالعصر الأموي والعصر العباسي، وانتقلت إلى القرن التاسع عشر.

حيث اقترحت تفسيراً ثالثاً لنشأة الظاهرة السردية الحديثة، وبخاصة نشأة الرواية العربية في محاولة لإعادة النظر بالتفسير الشائع، الذي يقول إن الظاهرة الروائية إما أنها استعيرت من الغرب، وإما إنها طورت عن المرويات السردية العربية، ثم انتقلت بالموسوعة إلى القرن العشرين وحللت مئات الروايات.

ما الترتيب المنهجي المتبع في دراسة السرد العربي؟

جرى كتابة تاريخ نشأة كل نوع من الأنواع السردية الكبرى في الآداب العربية، وأعقب ذلك تحليل شامل لأبنيته السردية والدلالية، ولهذا قامت الموسوعة على أكثر من ألف مصدر أساسي في الآداب العربية، الغالبية العظمى منها نصوص أدبية طويلة جرى تحليلها بتوسع، وبعض الكتاب جرى تحليل معظم أعمالهم، مثل: نجيب محفوظ وأمين معلوف.

مكانة

كيف ترى دور مؤسسة محمد بن راشد في تدشين وترسيخ اقتصاد المعرفة في العالم العربي؟

أراها مؤسسة رائدة في بذر مفاهيم جديدة في ميدان اقتصاد المعرفة بكل أشكاله، وتنبهت هذه المؤسسة إلى رعاية المشاريع التأسيسية في مجال الثقافة والعلوم، بل وتعميم ذلك بمبادرات كبيرة أهلتها لأن تكون مؤسسة عالمية في هذا المجال.

وأجدني أشكر القائمين عليها في الاهتمام بموسوعة السرد العربي، وطباعتها، فلولا هذه المؤسسة المتميزة لتعذر إخراج كتاب طموح بمثل هذا الشمول والسعة والحجم. أظن أن طموحي في التأليف امتزج بطموح مؤسسة محمد بن راشد راعية المعرفة الثقافية.

مشروع وأمنية ودعوة

هل من خطة أو فكرة لتعاونك مع مؤسسة محمد بن راشد في مشاريع جديدة أخرى؟

نعم، أجد من المناسب، وأنا اتحدت عبر صحيفتكم الغراء: "البيان"، أن أخاطب ذوي القرار في دبي، وهم أهل المعرفة، والعناية بالثقافة العربية، من أجل أن ننجز معاً مشروعاً جديداً لا نظير له، ربما يفوق موسوعة السرد في أهميته، وطموحه، وهو مشروع عالمي كبير يبرهن على اكتشاف العرب والمسلمين للعالم بأجمعه قبل الكشوفات الأوروبية في القرن ال16.

وهو «مشروع اكتشاف العرب المسلمين للعالم القديم». وما دامت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم قد أخذت بزمام اقتصاد المعرفة، والتعريف بالثقافة العربية، فأجدني شغوفاً بالتعاون معها فيما تهدف إليه، وتعمل من أجله، وأتطلع، بعد أن أنهينا بنجاح أحد أهم المشاريع المشتركة بيننا، أن نبدأ العمل معاً من أجل مشروع مواز كبير، سيكون له صدى عالمي.

وهو البرهنة على أن العرب المسلمين اكتشفوا العالم القديم برمته، من اليابان إلى إيرلندا، ومن القطب الشمالي إلى السواحل الجنوبية لأفريقيا..والمشروع مؤكد بنصوص موثقة تزيد على ألفي صفحة معززة بالوثائق والخرائط والرسوم.

حقائق مطموسة

ما فحوى هذا المشروع الكبير الذي تخطط له؟

أفيدكم القول، إن معظم الناس لا يعرفون أن المسلمين اكتشفوا معظم أرجاء العالم القديم، وأنهم تركوا مدونات وصفية شديدة الأهمية حوله، من البلاد الروسية إلى خط الاستواء ومن الصين إلى فرنسا، فقد كان العالم القديم يتكون من آسيا وأوربا وأفريقيا. وكانت (دار الإسلام) تقع في قلب هذا العالم، ويمتد سلطانها من هضبة التبت إلى الأندلس.

ومن أرمينيا إلى وسط أفريقيا. وطاف الرحالة والجغرافيون والمؤرخون في غرب أوروبا ووسطها وشمالها، وذهبوا إلى الهند والصين، وعرفوا كمبوديا والجزر الإندونيسية وترحلوا في شرق أفريقيا بكامله، بما في ذلك جزر القمر، ثم وصفوا غربها بالتفصيل، وجاوز بعضهم خط الاستواء إلى الجنوب، كما أنهم مخروا كل البحار والخلجان المعروفة في العالم القديم.

وحاولوا عبور المحيط الأطلسي غربا في مغامرة مدهشة قام بها من يعرفون بـ(الفتيان المغرورون)، فضلاً عن اكتشاف أوروبا بكاملها، وفي كل رحلاتهم البرية والبحرية تركوا تراثاً ثقافياً وجغرافياً منقطع النظير في أهميته، قدم تعريفاً شاملاً بأحوال الشعوب والمجتمعات خارج دار الإسلام، وهو تراث متناثر وشبه ضائع في المصادر المخطوطة، ومعظمه شبه مفقود الآن.

ولا يكاد يعرفه أحد، إلى درجة يجهل فيها العالم، ومنه المسلمون أنفسهم، أن أجدادهم رحلوا في كل أطراف العالم القديم من دون استثناء، وكتبوا عنه آلاف الصفحات، وذلك يكاد يكون مجهولاً الآن من طرف الأحفاد، وفي هذا التراث شبه المفقود يظهر تسامح المسلمين، وموقفهم الإنساني في التعامل مع الآخرين.

هل بدأت تخطط لهذا المشروع منذ وقت طويل، أم أنه حديث عهد لديك؟

شغلتُ بهذا الموضوع منذ عام 1995 وشرعت في جمع تلك المادة الغزيرة المتناثرة في المصادر القديمة من المكتبات الكبرى في: القاهرة وتونس وبيروت ودمشق وعمان وبغداد وطرابلس والدوحة والرباط.

وزرت مكتبة المتحف البريطاني وبعض المكتبات الفرنسية ومتاحف إسطنبول وروما وأثينا وباريس وغرناطة وطليطلة وإشبيلية وقرطبة، وعشرات غيرها من المتاحف والمكتبات التي تتوافر فيها بعض المصادر والمخطوطات.

وجمعت مادة أصلية شديدة الأهمية تؤكد اكتشاف المسلمين للعالم القديم، وترك مدونات مفصلة عنه، لم يجر الاهتمام بها وتصنيفها، ودراستها، وتوفرت لدي مئات النصوص القديمة، وهي من أهم النصوص العربية الكلاسيكية في مجال أدب الرحلة والجغرافيا والتاريخ الثقافي، ورسمت تلك النصوص صورة تفصيلية للعالم من ناحية الثقافات والأديان والأحوال الاجتماعية والاقتصادية.

حكايات العرب ومقاماتهم وسيرهم منذ الجاهلية

تولت «موسوعة السرد العربي» للناقد العراقي د.عبدالله إبراهيم، دراسة ظاهرة السرد في الأدب العربي منذ العصر الجاهلي وإلى وقتنا الحالي، فقدمت تحليلاً مفصلاً لكل الظواهر السردية الكبرى.

ووقفت على الأنواع السردية الأساسية كالمقامات والحكايات الخرافية والسير الشعبية، وأدب الرحلة والرواية الحديثة التي خصص لها المؤلف أربعة أجزاء، فجاء التوزيع منسجماً: أربعة أجزاء للسرد القديم، أربعة أجزاء للسرد الحديث، جزء خاص بالفهارس الشاملة.

25 عاماً

جاء في الكلمة التقديمية لمؤسسة محمد بن راشد، المؤسسة الراعية للموسوعة ما يلي: «نضعُ اليوم، بافتخار واعتزاز، بين أيدي القراء ثمرة جهد استغرق زهاء ربع قرن من البحث النقدي المعمق، جهد عظيم بذله الدكتور عبدالله إبراهيم، الناقد والمفكر العراقي المرموق.

وتمخض عنه كتاب جليل الشأن، هو«موسوعة السرد العربي»، التي جعل منها مؤلفها أشمل موسوعة متخصصة في تاريخ الأدب العربي، وأغناها بالتحليل النقدي القائم على معايير منهجية متينة، وفيها سلط الضوء على جذور الظاهرة السرية في الآداب العربية القديمة والحديثة، واشتق مادتها من مصادرها الأصلية الكبرى، فيستحق الثناء على عمله استحقاق العالم المنصرف إلى موضوعه من دون أن يشغله عنه شاغل آخر».

وأضافت مؤسسة محمد بن راشد في تقديمها: «تفتخر المؤسسة بدعم«موسوعة السرد العربي»؛ لما تمثله من قيمة استثنائية في مجال النقد القائم على وضوح الرؤية وصرامة المنهج ورهافة التحليل، فمن الأهداف الأساسية للمؤسسة إطلاق المشاريع الثقافية المتميزة.

وتندرج هذه الموسوعة في سياق طموح المؤسسة إلى ترسيخ المعايير الرفيعة في البحث، آملين أن تنال هذه الموسوعة إعجاب القراء عامة، والباحثين خاصة، فتكون مرجعاً أساسياً لهم في تحليل السردية العربية».

500 رواية

الغالبية العظمى من النصوص التي تضمنتها الموسوعة، طويلة جرى تحليلها بتوسع، ولإعطاء فكرة، هناك تلك النصوص الموسعة، سيرة الأميرة ذات الهمة بـ70 جزءاً، وسيرة عنترة بن شداد بـ55 جزءاً، وسيرة سيف بن ذي يزن بـ17 جزءاً، والسيرة الهلالية التي تفككت إلى ثلاث سير بثلاثة مجلدات كبيرة.

فضلاً عن أكثر من 500 رواية صدرت منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبعض الكتاب جرى تحليل معظم أعمالهم، مثل: نجيب محفوظ، أمين معلوف، وعشرات غيرهم، وفيها تركيز واضح على الرواية النسوية العربية.

ظاهرة ثقافية

وخصصت الموسوعة بأجمعها، لدراسة الظاهرة السردية باعتبارها ظاهرة ثقافية، وليس ظاهرة أدبية فقط، ظاهرة قامت بتمثيل للخيال العربي منذ العصر الجاهلي إلى نهاية القرن العشرين. وهي إحدى الظواهر المهمة التي شهدتها الثقافة العربية، ولا تقل عن الظاهرة الشعرية، ولا عن الظاهرة الدينية. وقامت تلك الظاهرة بتمثيل الخيال العربي في إنتاج صورة خاصة للذات وإنتاج صور الآخرين.

وتتبع المؤلف هذه الظاهرة منذ العصر الجاهلي مروراً بالإسلام، ثم العصور الإسلامية الوسيطة كالعصر الأموي والعصر العباسي، وانتقلت إلى القرن التاسع عشر..

حيث اقترحت في الموسوعة تفسيراً ثالثاً لنشأة الظاهرة السردية الحديثة، وبخاصة نشأة الرواية العربية، ذلك في محاولة لإعادة النظر بالتفسير الشائع الذي يقول إن الظاهرة الروائية إما أنها استعيرت من الغرب، وإما أنها طورت عن المرويات السردية العربية، ثم انتقلت الموسوعة إلى القرن العشرين وحللت مئات الروايات.

نبذة

د.عبدالله إبراهيم. ناقد وأكاديمي عراقي، متخصص في الدراسات السردية والثقافية. حاصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الآداب لعام 2014.

وجائزة الشيخ زايد لعام 2013. نال درجة الدكتوراه في الآداب العربية عام 1991 من كلية الآداب-جامعة بغداد. عمل أستاذاً للدراسات الأدبية والنقدية في الجامعات العراقية والليبية والقطرية.. ثم منسقاً لجائزة قطر العالمية من 2003-2010. ويعمل منذ 2010 خبيراً ثقافياً في الدوحة، كما أنه باحث مشارك في الموسوعة العالمية (Cambridge History of Arabic Literature).

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات