رفعت سلاّم: المبدع يتقدم السياسي في التأثير

صورة

هو أحد رموز الشعر في جيل السبعينيات من القرن الـ20، وأحد أهم رموز الحداثة الشعرية. تجربته تمتاز بكونها استقلت عن تجارب الشعراء المجاورين له في مصر والدول العربية؛ حيث ارتاد عوالم مختلفة مدركاً منذ البداية أنه شاعر يملك خطاً خاصاً به. إنه الأديب والمترجم رفعت سلام الذي، الذي يحكي في حواره مع «بيان الكتب»، عن جملة موضوعات جدلية في ساحة الثقافة والفكر، عارضاً رأيه في قضايا كثيرة وشارحاً تأثير قراءاته في التراث في ما يكتبه.

في قصائدك مزيج من أشكال شعرية متعددة ومتداخلة وممتزجة، إذ تبدو غير ملتزم بنمط شعري واحد، وكأنك تقول: «أنا لستُ كالآخرين»، فكيف تشكلت تجربتك الخاصة؟

ليس للشاعر أن يكون كالآخرين، فهو ليس فرداً في قطيع أو نفراً في طابور؛ بل له وعليه أن يكون منفرداً في إبداعه، بلا تشابه أو نسخ أو إعادة إنتاج للسابق أو انصياع للسائد؛ عليه أن يكتشف فرادته بنفسه ويجاهد لتحقيقها في نصوصه المختلفة، حتى وإن بدت غريبة أو صادمة آنيّاً؛ فالشعر في ذاته وجوهره خروج عن «المألوف».. عن الكتابة «العامة» المتشابهة المتوافقة مع الذوق العام والمستوى الثقافي المتوسط من أجل اكتشاف آفاق أخرى بلا أسوار شائكة في أي اتجاه.

وقد كنتُ منتبهاً إلى ذلك منذ البدايات، في النصف الأول من السبعينيات من القرن الفائت، وتأكدتْ هذه الأفكار وترسخت أكثر مع الوقت. نعم كنت أعكف على قراءة التراث العربي والتراث العالمي، لا لأعيد إنتاج أي منهما أو إحدى مفرداته؛ بل لإثراء خصوصيتي الشعرية وامتلاك نبرات صوتي التي لا تتشابه أو تختلط مع أية نبرات أخرى؛ فالوعي الذاتي بتجربتي الشعرية كوعي نقدي عصمني كثيراً حتى من تكرار ما سبق لي أن كتبته (وهو ما يحدث كثيراً مع الشعراء).

ثقة وحضور

نلمس في أدائك أثناء إلقاء قصائدك، نبرة اعتزاز وفخر وثقة، وترفض أن تلقيها إلا في هدوء تام. ورغم هذا، تصرح بعدم رضاك عما تكتبه. ألا يتناقض هذا الفخر والثقة مع عدم الرضا؟

نعم، فالهدوء حد أدنى لتلقي الشعر، ولا يمكنني إلقاء شعري وسط ضوضاء أو صخب في المكان؛ احتراماً لقيمة الشعر عامة ولشعري، واحتراماً لمن جاؤوا خصيصاً من أجل الشعر والشاعر.

نظرة دونية

تحمل قصائدك عمقاً سياسيّاً ورفضاً للقمع، ومع ذلك لست عضواً في حزب سياسي. فهل ترى أن للأديب دوراً مختلفاً عن السياسي؟

منذ البدايات رفضتُ الانضمام إلى أي تنظيم سياسي؛ وخاصة أنني احتككتُ بكثير من الشخصيات اليسارية البارزة في المعارضة فوجدت نظرتهم إلى الإبداع الأدبي والفني «دونية» غير واعية بدور «الإبداع» الكبير في التطور الإنساني، وأن على الإبداع أن يكون مفسراً شارحاً موضحاً للرؤية السياسية بلا استقلال (لهذا مثلاً انتقدوا شعرنا في السبعينيات والثمانينيات من القرن الفائت، بأنه «غامض» عصي الفهم على «الجماهير العريضة» ومتعالٍ عليها)؛ وبالتالي فهم يعتبرون الأدباء والفنانين شخصيات هامشية ينبغي أن تكون «تابعة» للسياسي، ورأيت أن هذا الموقف جاهل وبالغ السطحية ولا يليق بي كشاعر أن أخضع إليه.

وبالطبع، فللمبدع دورٌ مختلف أعمق من دور السياسي، وخاصة أن الحياة السياسية لدينا مريضةٌ بالكثير من الأمراض المتوطنة؛ فالحضور الثقافي الرفيع لطه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وصلاح عبدالصبور ويوسف شاهين ومحمود مختار وسيد درويش، لا يضاهيه حضور أي سياسي في القرن العشرين في مصر.

حماية التجربة الإبداعية خطوات غير معلومة

الآن، وبعد عام على صدور أعمالك السابقة مجمعة، ما خطواتك المقبلة في مسار الشعر؟

لا يدري شاعرٌ شيئاً عن خطواته المقبلة. إنه المجهول الذي يفتح أبوابه مغرياً بالاقتحام، أما المعلوم ففي الوراء، فيما قُطع من الأشواط والخطوات، ولا معلوم في الأمام.

تجربة ابنتك الناشطة الحقوقية «يارا» ألهمتك العديد من المقاطع الشعرية نشرتَها مسلْسلة على صفحتك بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك». أتفكر في نشرها في ديوان؟

نعم، نشرتها آنذاك ولاقت صدىً طيباً بين الأصدقاء والقراء، لكنها لم تتطور إلى «عمل شعري» متكامل، ولا هي تكفي حتى كميّاً لنشرها في كتاب مستقل؛ فظلت على حالها مجرد مقاطع شعرية، ولا أدري إن كانت ستجد لها مكاناً لائقاً في العمل الشعري القادم أم لا؛ فلتقرر مصيرها بنفسها ولن أفرض عليها شيئاً.

مشروعات

ترجمتَ «الأعمال الشعرية الكاملة» لعدد من الشعراء المهمين من مؤسسي الحداثة الشعرية في العصر الحديث، أمثال بودلير وكفافيس ورامبو. هل هناك شعراء آخرون تنوي ترجمة أعمالهم؟

أعكف حاليّاً على المراجعة الأخيرة (الرابعة) لـ«الأعمال الشعرية الكاملة» لوالت ويتمان، مؤسس الحداثة الشعرية الأميركية والبريطانية في القرن التاسع عشر، وقد بدأتُ العمل فيها منذ ثلاث سنوات شاقة مرتبكة ويُنتظر أن أنتهي منها خلال شهرين لتكون جاهزة للنشر.

آفاق عالمية والمائة كتاب

ما إفرازات رئاستك لسلسة «آفاق عالمية» و«المائة كتاب» - المعنيتين بترجمة الأعمال الأدبية العالمية بالهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة - أتعيقك عن مشروعك الخاص، سواء في الترجمة أو الشعر، أم تدعمه؟

للأسف تعطله؛ وخاصة أنني ألزمت نفسي كرئيس للتحرير بما لا يلتزم به أحد، كالتأكد بنفسي من دقة وسلامة واكتمال الترجمة؛ وهو ما يعني القيام بالمراجعة الدقيقة على الأصل إن كان إنجليزيّاً أو فرنسيّاً والاسترشاد بترجمة إنجليزية أو فرنسية إن كان الأصل غير ذلك، فضلاً عن التصحيح اللغوي والإخراج الداخلي؛ ليتسلموا المخطوط بصيغة «بي دي إف» جاهزاً للطباعة الفورية، وما يسبق ذلك كله بالطبع من متابعة عملية الترجمة مع المترجم.

لكنني حين قبلتُ المهمة كنت أعتبرها «مؤقتة» ولم أدرك مشاقها الكثيرة ولا ما ساد أوساط الترجمة من عشوائية ومزاجية. سيكون عليَّ بذل الكثير حتى لا تتسرب إلى أعمال السلسلة.

ورغم كل ذلك، فالسلسلة تلقى في العام الأخير تعنتاً غير مفهوم ولا مبرر في عملية الصدور. ورغم أنها شهرية؛ إلا أن إدارة الهيئة توقفها بين الحين والآخر لأشهر طويلة. ورغم ما حققته من منجزات، من بينها الوصول إلى ترجمة 30% من قائمة عيون الإبداع العالمي من لغاتها الأم (الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والصينية والإيطالية والروسية) ترجمة كاملة دقيقة سلسلة بلا أي حذف أو وصاية، ونفاد كل عدد في الأسبوع الأول من صدوره كأول سلسلة مصرية يحدث معها ذلك.

رغم كونك شاعراً؛ إلا أنك تركت الرواية تسيطر على سلسلة «المائة كتاب».

لم أخترع قائمة «أهم مائة عمل أدبي في التاريخ». اعتمدتُ على القوائم العالمية الجاهزة في اللغات الأخرى (وخاصة الإنجليزية والفرنسية) لأؤلف قائمتي الخاصة التي أعمل على إنجازها، مع ترك هامش لي لاختيارات مغايرة؛ ذلك يعني أن قائمتي متوافقة مع القوائم الدولية الأخرى ولا تتعلق بالمزاج الشخصي، وهذا هو واقع حال القوائم العالمية كلها؛ فالرواية تسيطر على القوائم، وترجمة الشعر أكثر صعوبة لديهم ولدينا؛ وبالتالي هو أقل انتشاراً.

لكني أستعيض عن ذلك بتقديم ترجمات شعرية خارج سلسلة المائة كتاب كلما عثرت على ترجمة جيدة، والنسبة الكلية بين الشعر والرواية في الأعمال الصادرة ليست مجحفة أبداً بحق الشعر.

كيف ترى الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى؟ وهل ترى أن الدول العربية ترصد مبلغاً كافياً لترجمة أدبها؟

بحسب ما رأيتُ في المكتبات الفرنسية مثلاً، فإن الترجمات العربية لا تمثل إلا نسبة ضئيلة من ترجماتهم للآداب الأخرى؛ فـ«ألف ليلة وليلة» العمل العربي الأول في الترجمة، تليه أعمال نجيب محفوظ، وبعدهما بمسافة شاسعة تأتي أعمال متفرقة لآخرين.

وفي تقديري، فإن دعم عملية الترجمة إلى اللغات الأخرى مطلوب، وهو ما كانت تقوم به فرنسا حتى وقت قريب (بدعم ترجمات الأدب الفرنسي إلى العربية). لكن، مَن الذي سيحدد قائمة الأعمال الإبداعية المستحقة لدعم ترجمتها إلى هذه اللغة أو تلك؟ وماذا سيكون مفعول المجاملات والإقصاء لأسباب غير إبداعية؟! ومَن الذي سيقوم بعملية الترجمة: مترجم مصري وعربي أم أجنبي؟ وأين سيكون النشر: هنا أم هناك؟

المسألة أعقد من أن تكون مالية فقط، ويمكن الاسترشاد بالتجربة الفرنسية في دعم ترجمات الأدب الفرنسي.

الشعر أولاً وأخيراً

أيما ترى أنه رفعت سلام أكثر: المترجم أم الشاعر؟

الشاعر داخلي هو الذي اخترع المترجم واستضافه بكرم ورحابة صدر؛ إذ بدأتُ الترجمة بقصائد بوشكين، لأتعرف في السبعينيات من القرن الماضي، كشاعر، إلى أعماله التي لم تكن مترجمة إلى العربية، وقدمت أول مختارات شعرية له في العربية.

ومن خلال عكوفي على ترجمته اكتشفتُ ليرمونتوف الشاعر (الذي كان مجهولاً لدينا كشاعر واصل التأسيس الشعري لما قام بوشكين في الشعر الروسي)، وترجمت أعماله لتصدر طبعتها الأولى لدى اتحاد كتاب الإمارات (ولا تزال الترجمة العربية الوحيدة لأشعاره رغم تعدد طبعات روايته الشهيرة «بطل هذا الزمان» التي ترجمها الدكتور سامي الدروبي).

فلولا الشاعر داخلي - ذلك الشبق إلى المعرفة والاكتشاف - لما اتجهتُ إلى الترجمة، ولولا ذلك الشاعر لما قصرت جهدي في الترجمات اللاحقة على الشعر فقط وإزاحة ما سواه جانباً، ولولا الشاعر لما كانت هذه الاختيارات المحددة في ترجمة أعمال بعينها لا سواها؛ فهو الشعر أولاً وأخيراً.

«إشراقات رفعت سلام»، ديوان يأتي ضمن الدواوين التي تؤسس للخروج عن كل الأنماط بلا سعي لتأسيس نمط جديد، وهو منشور ضمن الأعمال المجمعة لرفعت سلام، التي تمثل خروجاً عن ثنائية «التفعيلي» و«النثري» وعن كل الأعراف السابقة أو الراهنة. وتعد «سِفر خروج» شعرياً من المعروف إلى المجهول، من المملوك إلى العصِي على الامتلاك.

في هذا الديوان، الذي يأتي ضمن ما أنتجه رفعت سلام في بداية مسيرته الأدبية، يشير فيه إلى أسماء الأدباء الأعلام، وهو نوع من الأمور البارزة في شعر السبعينيات ويشكل نوعاً من الأساليب الخصوصية التي لم تكن معهودة في الشعرية السابقة عليهم، ولم تكن تحوز هذا القدر من الانتشار الذي نجده في النصوص السبعينية.

وفي مقطع شعري لرفعت سلام، نرى كيف يبدأ الشاعر السبعيني بأسماء الأعلام في رأيه وكيف يرتبها، فيقول رفعت سلام في إشراقاته: «أين أنت يا طرفة، يا نيرودا، يا بوشكين، يا سعدي يوسف، يا بتهوفن، يا أصلان، يا ريتسوس، يا دستويفسكي، يا تشايكوفسكي، يا ماياكوفسكي، يا رامبو، يا منيف، يا جويا، يا سميح، يا سيد درويش، يا طه حسين، وبيكاسو يا تل الزعتر، يا يارا، يا لوركا، يا حيدر، يا حيدر، يا جيفارا، يا مايكل أنجلو».

وكما نلحظ في المقطع فإن أسماء الأعلام والشخصيات البارزة تتواتر بشكل متجاور، كأنها تشكل خريطة إنسانية لها وجودها الفعال في مسيرة الزمان، بغض النظر عما إذا كان هذا الوجود سلبياً أم ايجابياً؛ فنجد الشعراء إلى جانب الروائيين والأدباء والسياسيين والمناضلين والمفكرين والفلاسفة والموسيقيين والتشكيليين جنباً إلى جنب كأنهم يمثلون جحيماً أرضياً أو كوميدياً أرضية تصاغ في نص شعري تجريبي يحتفي بالجديد ويأنس إلى الخارق واللامألوف، كما يقول الناقد عبدالله السمطي.

تكامل مستمر

تجربة رفعت سلام كما يقول عنها الناقد شريف رزق «استقلت عن تجارب الشعراء المجاورين له في مصر والعالم العربي بفضل الآليات الشعرية في مجموعة من الدواوين ظلت تتكامل في ترسيخ هذا المشروع والتأكيد بخصوصية هذا الصوت الشامخ، واكتسبت تجربته خصوصيتها للتعبير عن صوت مارق وخارج عن الجماعة تخطى حدود القصيدة إلى رقعة النص الشعري الرحيب».

«إشراقات» ترسم خريطة أنوار الفكر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات