محمد السويدي: قصائدي المغنّاة أرقى أشعاري

يعد الشاعر والأديب محمد أحمد السويدي، واحداً من أهم الوجوه الثقافية في الإمارات، شاعراً مجدداً بالشعر المحلي، مسؤولاً لفترة من الزمن عن واحدة من أهم المؤسسات الثقافية بأبوظبي، قدم خلالها الكثير من المشاريع التي انعكست على النهضة الثقافية في الإمارات، والعالم العربي.

لتتواصل فيما بعد مسيرته بابتكار مشاريع هامة، تعكس هاجسه المعرفي، مثل «القرية الإلكترونية» التي تضم العديد من المشاريع منها متحف العلوم، رواد الآفاق، والكتاب المسموع. وإلى جانب هذا بقي السويدي مستمراً بتقديم إبداعاته، التي كان آخرها كتاب «لخولة» الذي تحدث عنه لـ «بيان الكتب»، مؤكداً في الحوار نفسه، أنه عندما يجد قصيدته مغنّاةً يشعرها تحوّلت إلى كائن أسمى وأرقى.

اخترت في كتاب «لخولة 365 أنشودة حب» أبياتاً من قصائد العديد من الشعراء، فما دوافع وأسس اختياراتك؟

عكفت طيلة سنوات على جعل فكرة الكتاب تنضغط ليبدأ مختبري الداخلي بإنضاجها، واستغرقني الأمر قرابة ثلاثة عقود، واكتشفت عندما كنت أراجع تسجيلاتي القديمة، والقصاصات التي أعكف على تدوينها، أن المشروع كان حاضراً دائماً، وكل ما أحتاج إليه هو الشروع بتدوينه، وهذا ما فعلته.

الأمر مرتبط بالطريقة التي تجعلني أقبض على الفكرة. فكما قبض ليوناردو على عشائه الأخير بطريقة لم يسبقه إليها أحد، لأنه عكف على تدوير الفكرة قبل إطلاقها في دير الراهبات، وهذا ما فعلته بكتابي.

وربما جعلني «منازل القمر» أتمدّد بعيداً، عن تنفيذه، وهو كتاب تناولت فيه التقويم الشمسي للعرب، ودفعني العمل عليه لأرتاد عالم التنجيم من خلال عمقه التاريخي والذاكرة التي اشترك بصنعها مجموعة من العلماء العرب.

شغف

تعكس هذه القصائد شغفك وقراءاتك الشعرية، فكم بحثت لوضع هذا الديوان البانورامي؟

كنت قد عثرت على تسجيلات لي، وأنا في العشرينيات أتحدث فيها عن هذه القصائد في مجالسنا الأدبية، ولطالما ذكرت الأمر لأصدقاء كمحمود درويش ونزار قباني وطلال حيدر وعبد الرحمن الأبنودي وخالد الشيخ، ولكن أكثر من شغفته الفكرة ولم تغادره، هو فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة رئيس الجزائر، وفي إحدى زياراتي إلى الجزائر، عام 2009 سألني عمّا آل إليه المشروع.

فكانت استعادته للفكرة، الشرارة التي بدا وكأنه قبسها من نار بروميثيوس ودفعها إليّ، فاشتعلت الهمة، ولم أكفّ عن العمل عليه حتى أنجزته بعد أربع سنوات.

نار العشق

في الديوان، تحية لشعراء مبدعين، عبر عصور مضت، يمتزج فيها الشعر بالحب بالفلسفة. فما أهمية جمع هذه القصائد بكتاب واحد؟

ربما أردتُ أن أوقظهم.

هؤلاء العشاق الذين أضرموا أبدانهم بنار قلوبهم، حتى ما عاد بوسعك أن ترى أحدهم لولا سماعك صوته.

إنهم المعادل الموضوعي لهذا الزمن الذي بات يزخر بالكراهية والحقد والشرّ. فوطننا العربي أصبح في حالة تكاد تفتقد لشبيهتها بكل العصور.

الأمم من حولنا تتساءل: من أين أتى كل هذا الشرّ وأين كان مخبوءاً؟

لا شك أن العالم العربي عانى كثيرا من الاستعمار والحكّام الطغاة، وهي معاناة مركّبة، ولكن الشرّ الذي صرنا إليه فاض على كل ما يمكن تخيّله، لذا كان لزاماً عليّ أن أوقظ شعراءنا من المتصوفة والعذريين والغزل والتشبيب والنسيب والحبّ، لنقول بصوت واحد: نحن أمة عرفت الحب كما لم تعرفه شعوب الأرض، وهذا دليلي إليكم.

للمتنبي أكثر من وقفة في الديوان، وهو ما يذكرنا بخصوصيته لديك «كما قلت مراراً» حدثنا عن هذا؟

الحديث عن المتنبي يطول، فكما شغل الناس من قبل وملأ عليهم الدنيا، شُغلتُ به. وكلّما اقتربت منه ذراعاً نأى عني باعاً. فهو القريب البعيد، فعظماء المبدعين ينبعثون في كلّ مرة نقرؤهم فيها على نحو جديد، فيتعددون بتعدد قراءاتنا (شكسبير، دوستوفسكي، المعري...).

ولعلّ المتنبي أكثرهم غموضاً، فهو المجهول الأب والنسب والمصير، ولعلّه قبض على جمرة اللغة وحمل آخر قواميسها، فكلّما لسعته سال شعراً، فاللغة التي أتقن معجميتها عن ظهر قلب وصقلتها البادية كانت تغلّق من دونه الأبواب وتصرخ في الفتى العربي.

إن قاموسه الشعري يختلف عن بقية القواميس، لأنه مدينيّ عاش في البادية ومزجهما في بحر عبقريته فالتقيا في شعره. ولم نسمع أن بدوياً حمل قاموساً بعده.

رسائل محبة

لماذا اخترت هذا العنوان تحديداً؟

هناك رسالات لمن أحبّهم، وكما أحبّ طرفة بن العبد خولته، أحببت كذلك خولتي، فأهديتها الديوان، وهو هدية لكل خولة، فالأسماء تتغير وتبقى خولة.

لديك إصدار آخر بعنوان «لبيك اللهم لبيك 365 صور ومشاهد من الحج»، قدمت فيه أفكاراً مختلفة عن الحج، فكيف عملت على هذا الكتاب؟

كثير من الناس لم يُكتب لهم الحج، والدتي «رحمها الله» منهم، فالحج لا يعني السفر إلى مكة والمدينة فحسب. فلقد قال الحلاج من قبل «بوسعنا الحجّ ونحن لا نبرح بيوتنا قط».

الحجّ أمر شبيه بالعروج الجسدي والروحاني، إنه منزلة أخرى لا يمكن تفريغها من جوهرها الحق، لأننا بذلك سنكتفي بالسفر إلى مكة وليس الحجّ إليها.

وهذا الكتاب دعوة للحجّ بما هو عروج تام، يشتمل على صور الحجّ المختلفة، وحاولت فعل ذلك عبر من ذهبوا قبلنا. واستغرقني وقتاً وتنقيباً في بطون مئات المصادر.

سعادة عقلية

هل نتوقع أن تصدر كتاباً جديداً يكون فيه (365) جزءاً من العنوان؟

نعم، هذا أمر أجدني حسمته مع نفسي ومازال مختبري الداخلي يُنضّج مشاريع تستمدّ قوامها من الرقم (365). وأعدّ الآن مؤلفا يتناول أشهر 365 مشهداً في تاريخ السينما.

هذه طبيعتي، ولا أنحرف عنها، فكلّ شيء أجد فيه سعادة عقلية بتعبير فلاسفتنا القدامى، لا أتردد بالانجذاب إليه ومحاولة فهمه وتفكيكه، قد تتباين الأمور، ولكنني أرى الأشياء تقود لبعضها دائماً.

غنى من قصائدك مارسيل خليفة وخالد الشيخ، كيف تنظر إلى قصيدتك المغناة؟

يجعلني السؤال بمواجهة غوته بقوله (عندما ينتهي الكلام، تبدأ الموسيقى).

أحياناً لا يعبر الكلام عن محتواه، وبالرغم من أن الكلمة كانت في البدء، إلا أن هناك بدايات من نوع آخر تجعل الكلمة قادرة على تأكيد هويتها بعمق أكبر، فالقصيدة كلام، والموسيقى حالة أسمى من الكلام وأرقى، لأنها تعبر عن نفسها وعن الكلام.

وعندما أجد قصيدتي مغنّاةً، لا أراها بتلك الهوية القديمة، بل أشعر أنها تحوّلت إلى كائن أسمى. ولا يعني هذا أن القصائد التي لم تُغنّ أقلّ قيمة على مستوى الرهان الفنيّ، فالشعر كائن يضجّ بموسيقاه الداخلية، ويبقى مخبوءاً في ذاته إلى أن تبعثه من رقاده حنجرة ملهمة.

تتبنى العديد من المشاريع، التي توازي عمل مؤسسة متكاملة، فما الهاجس الذي يدفعك لتنذر وقتك وإمكاناتك لهذا؟

عيني على الأمم المتقدمة وما حققته من إنجازات عظيمة، عندما عدت متخرّجاً من الولايات المتحدة حملت معي جهاز حاسوب من نوع ماكنتوش 512K وكان في حينها تحفة تكنولوجية، ولا أزال شغوفا بتعقّب الإنجازات الكبرى التي تحققت في مكان دراستي، فهنا حبل طويل سيكون بوسعك وأنت تسرده أن تدرك ما قدمه للعالم: (وادي السيلكون، بيل غيتس، مايكروسوفت، وأبل، الآي بي أم).

وصولاً لثورة التواصل الاجتماعي، لا ريب أن منجزي لا يُضاهى بهذه المنجزات العظيمة ولست بمجال مقارنة، ولكنها تلهمني وتدفعني إلى الإصرار على تقديمها لعالمي العربي، بما يكفل أن نبقى متشبثين بأهداب المعرفة، وأن لا نبكّر بخروجنا من التاريخ.

كتاب «لخولة 365 أنشودة حب»، الموزع على حوالي 400 صفحة، يستعرض فيه محمد السويدي كل الأشهر والأيام وبالتالي الأبراج، التي تنتمي إليها هذه الأيام، ويستعرضها بطريقة الشعر، ليعيد إلى الأذهان أجمل ما قاله الشعراء العرب في العصور القديمة، مثل المتبني وطرفة بن العبد ومحيي الدين بن عربي وأبو العتاهية.. وغيرهم الكثير.

وعندما كان الشاعر محمد السويدي يعمل على كتابه «لخولة 365 أنشودة حب» كان يعمل على كتاب «منازل القمر». وعن هذا قال: تناولت في المنازل التقويم الشمسي للعرب، ودفعني العمل عليه لأرتاد عالم التنجيم من خلال عمقه التاريخي والذاكرة التي اشتركت في صنعها مجموعة من العلماء العرب في مختلف العصور الإسلامية الزاهرة.

خرائط

ووصف السويدي الأمر بأنه شبيه بالتركة، وعليك أن تعمل على تفعيلها لتواصل حياتها. وأوضح: ترك أسلافنا مؤلفات لها شأن عظيم بمجال التنجيم وعلوم الهيئة كما كان يُطلق عليها. وتابع: أثناء عملي على المنازل بدأت أرصد خرائط بعض الأصدقاء والمقرّبين، وكان لبعضها توافقٌ مع أبيات تعود لمشروعي الأول (لخولة)، فبدأت تنسيبها، وكل مقطع يعود لأحد منهم، أو كما جاء على لسان المتنبي:

وما زلتُ أطوي القلب قبل اجتماعنا

على حاجة بين السنابك والسبل

وأضاف: كان يبتغي الوصول إلى الممدوح فيطوي قلبه قبل الطريق ليبلغه، وذلك الشأن معي، فلقد طويت قلبي لأصلهم بهذه الأبيات.

وأكد أن تلك المقطّعات الـ (365) لم تكن خبط عشواء، بل قطع بها درباً طويلاً كما تقطع سنابك الخيل الدروب لتبلغ مرادها.

وقال: ضمّنته أيضاً مفاتيح هي في حقيقة الأمر رسالات يعرفها ويدركها أصحابها ممن قصدتهم بالمقطعات.

شعر الحياة

استهل محمد أحمد السويدي كتابه بمقدمة جاء فيها: ما زال شعر الفتى المخاتل الذي خطف الثياب يوم الغدير، يضج بالحياة.

وما زالت الرصافة والجسر ترددان أشعار من وقف عيون «المها» الحسان، ويطوق أعناقهم بالياسمين. وأما شعر الذي ود تقبيل السيوف في حومه الوغى لأنها لمعت كثغرها، فقد سار في الآفاق، الزهراء تحن للأميرة التي تمنح القبل لمن يشتهيها. وقرطبة مشتاقة لمن يقرع السن على من لم يرد خطوة أو خطوتين في وداع حبيبته. أما الذي باغت حبيبته ليضع كفيه عند منقطع الخصر فقد نال قصب السبق.

ويضيف: العبارات شتى، والمعنى واحد لا يتغير، إنهم الذين عبّدوا دروب الحب منذ سالف القرون، إلى طرفة الذي وقف ببرقة ثهمد يندب الطلول وإلى كل طرفة، وكل خولة.

وبدأت القصائد بـ «دين الحب» لمحيي الدين بن عربي لمواليد 1 يناير- برج الجدي. لتستمر الأبراج والأيام، ولكن في كل مرة مع قصيدة جديدة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات