فرانسواز ساغان: موهبتي أكبر مما يقال

صورة

بعد ستة عقود من صدور رواية فرانسواز ساغان الأولى التي حملت عنوان «صباح الخير أيها الحزن»، والتي حملت الشهرة لصاحبتها يعاد صدور الحوارات التي كانت قد أجرتها خلال السنوات التي تمتد بين صدور عملها الأول عام 1954 ووفاتها عام 1992 تحت عنوان «لا أنكر شيئاً، حوارات 1954 ـ 1992».

نقرأ في أحد حوارات هذا الكتاب على لسان فرانسواز ساغان ما مفاده: «المجد والخلود بعدي. لو قيل لي أنه لن يكون هناك أي مقال عنّي، لا شيء، فذلك لا يعنيني أبداً وليس له أية أهمية بالنسبة لي».

لذلك لا تتردد في القول: «لا أبحث عن توجيه رسائل ـ للقارئ ـ ولا أفعل شيئاً سوى الكتابة، مع ذلك لا يقتضي صفاء البصيرة الإفراط في التواضع. اعتقد أنني أمتلك موهبة وهي موهبة قد تكون أكبر مما يقوله الناس عموماً. لكن ربما أقل مما يؤكّده البعض». ولم تتردد في العديد من الإجابات التي تقدّمها على الأسئلة المطروحة أن ما يهمها هو الحياة «هنا والآن».

أفكار الضوء

تجدر الإشارة أن الحوارات التي يحتوي عليها هذا العمل لا تخضع أبداً للتسلسل الزمني ولكنها موزعة تحت عناوين حسب المحور الأساسي الذي تدور حوله مثل «الحب والصداقة والمال»، وكذلك مختلف الأعمال التي قدّمتها فرانسواز ساغان، حيث يمكن تحديد الزمن التقريبي الذي أُجري فيه الحوار.

وفي «لا أنكر شيئاً» يجد القارئ الآراء التي تلقي الكثير من الضوء على أفكارها ورؤيتها للحياة وللبشر وللسياسة والأخلاق وبالتأكيد للكتابة التي كانت الاهتمام الأول في حياتها، كما يبدو من عدد الروايات والأعمال المسرحية ومجموعات القصص القصيرة التي تركتها، والمساهمة في كتابة «سيناريو» بعض الأعمال السينمائية وبعض الأغاني.

وعن الدور الذي لعبته الكتابة في حياتها نقرأ قولها: «لقد قدّمت الكتابة لي المتعة المزدوجة في أن أروي للآخرين وأروي لنفسي، والكتابة هي مثل السير في بلاد مجهولة وساحرة. ولكنها أحياناً مصدر إذلال عندما لا يستطيع المرء أن يكتب ما يريد».

خيارات شاعرية

وماذا تقول فرانسواز ساغان عمّا تريد لكتبها لدى أولئك الذين يقرؤونها؟ إنها تريد أن يكون ما تكتب مصدر فرح أو على الأقل مبعثاً للراحة ولو لعدد قليل من البشر. نقرأ: «اعتقد أن هناك خمسة أو ستة أشخاص يقرؤون كتبي ومما قد يبعث لديهم الإحساس بالراحة أن هناك صوتاً يحمل ما يمكن أن يجلب حلاًّ مريحاً إلى هذه الدرجة أو تلك أو حلاًّ هادئاً أو شاعرياً لمشكلاتهم وهذا بالتحديد ما ينبغي على الكاتب أن يسعى إلى تحقيقه».

بذخ روائي

إن فرانسواز ساغان لا تخفي في إجاباتها العديدة حبّها للعيش الرغيد وخاصّة شراء السيارات الفخمة والتردد على علب الليل التي كان يرتادها أبناء الأغنياء، وحيث اكتملت الصورة مع ولعها بالكحول ثم سقوطها في وحول المخدرات. لقد ظهر ذلك الميل للبذخ بوضوح منذ صدور روايتها الأولى «مرحباً أيها الحزن»، التي بيع منها ما يزيد على مليون نسخة مما كان يمثّل رقم مبيعات استثنائياً آنذاك لم تبلغه سوى روايات قليلة مثل «الغريب» لمؤلفها البير كامو.

الأسطورة ساغان

سلوك الكاتبة التي غدت شهيرة وهي في سنوات شبابها الأولى وجموحها وتطرّفها في الذهاب إلى الحد الأقصى في كل شيء جعل منها «أسطورة في زمنها»، وأسطورة ينظر لها الآخرون بكثير من الفضول. لكنها كانت تنظر إلى نفسها بأنها قد فقدت الكثير من إنسانيتها. هذا ما ينم عنه بوضوح ما قالته في أحد الحوارات المنشورة في هذا العمل وجاء فيه؛ لقد أصبحت سلعة، شيئاً يتم التعبير عنه بالظاهرة ساغان، بالأسطورة ساغان، وكنت أشعر بالخجل من نفسي.

وتؤكد ساغان أن صديقها الذي كان الأكثر قرباً منها لم يكن سوى الفيلسوف جان بول سارتر. كانت من الذين ظلّوا إلى جانبه في أيام حياته الأخيرة. تقول عنه؛ «من بين الذين كانوا الأكثر قرباً إلى قلبي كان هو ـ سارترـ الذي أحببته أكثر من الجميع».

عزلة ثرية

ومثلما تشكّل العزلة أحد المواضيع المحببة التي تتردد في مختلف أعمالها الأدبية ولطالما كالت لها «المديح» كممارسة في الحياة عامّة وفي حياتها بشكل خاص فإنها تعود لها أيضاً في حواراتها. ومما تقوله عنها؛ «لقد تعلّمت العزلة وأوليها تقديراً كبيراً. وغالباً ما أحسّ أنني وحيدة وسط مجموعة من الأصدقاء. أحب أيضاً هذا النوع من العزلة».

اعتراف أدبي

لقد جرى تكريس ساغان كأحد أدباء فرنسا الكبار وهي لم تبلغ العشرين من عمرها. أمّا ترجمة ذلك بالنسبة للناشر فكانت أنه باع خلال فترة قصيرة أكثر من نصف مليون نسخة من «صباح الخير أيها الحزن»، وبلغ عدد النسخ المباعة بعد عام من صدور الرواية أكثر من 850 ألف نسخة، كذلك وقع الناشر أكثر من عشرين عقداً لترجمتها إلى لغات أجنبية. ومما أُشير له هو وزن قصاصات الصحف التي جمعها روجيه جوليار، الناشر، للمقالات عن الرواية بلغ بالدقة والتحديد 11.4 كيلو غراماً.

وكانت ترجمة النجاح الكبير للرواية بالنسبة لـمؤلفتها فرانسواز ساغان هو أنها نالت الاعتراف الأدبي بـ«الآنسة حزن»، كما أطلقت الصحافة عليها، وتمّ إرساء أسس أسطورة ساغان. كما أنها كسبت بالمقابل مبالغ مالية كبيرة سمحت لها أن تشتري سيارتين من طراز «جاكوار» ذات الثمن الباهظ..

كما اشترت لأمّها معطفاً من الفراء الثمين، وبدأت نمط حياة جديداً. وكانت وجهة إنفاقها هي الانخراط في أندية المراهنات والحظ وعلى رأسها «كازينو» مدينة دوفيل غير البعيدة عن باريس، ولكن أيضاً أندية موناكو الشهيرة.

ولقد شاعت أخبار الكاتبة في الصحف ووسائل الإعلام الأخرى التي رسمت لها صورة امرأة شابة تعيش حياتها بطريقة ماجنة ولا تختلف كثيراً عن شخوص أعمالها مما سبب حالة من الخلط بين النموذجين.

عن الأدب والسياسة

قدّمت فرانسواز ساغان 20 عملاً روائياً كان آخرها عام 1996، أي قبل ثماني سنوات من رحيلها عام 2004. وبيع من كتبها ما يزيد على 30 مليون نسخة في فرنسا وحدها. كما كتبت في القصّة القصيرة وفي المسرح وفي المذكرات واليوميات والحوارات وفي السينما والعديد من الأغاني وسيرة واحدة هي «سيرة حياة سارة برنار».

لقد اشتهرت صاحبة «صباح الخير أيها الحزن» بتعرّضها لمواضيع تتعلّق بالجيل الشاب وبالحرية والعزلة والقطيعة والعلاقات العاطفية ومواضيع كثيرة أخرى. وكانت في عداد الموقعين على بيان الـ 121 مثقفاً فرنسياً عام 1961 لدعم حق الجزائريين في تقرير مصيرهم. كما كانت قد ساهمت «على طريقتها» في مظاهرات الطلبة لشهر مايو من عام 1968 في فرنسا.

سحر الكلمات

في العديد من إجابات فرانسواز ساغان تعود للحديث عن «السحر» الذي تمارسه الكلمات عليها. وتكرر قول ما مفاده؛ «أحب تسعة أعشار الكلمات». وهناك بعض الكلمات لها سحر خاص بالنسبة لي مثل كلمة «الشرفة» وكلمة «الحزن»، لا شك أن هذه الكلمة الثانية تعيد للأذهان عنوان عمل فرانسوازساغان الأول «مرحباً أيها الحزن»، التي نشرتها عندما كانت في الثامنة عشرة من عمرها.

«صباح الخير أيها الحزن» قلق ونعومة لمشاعر مُبهمة

 في الخامس عشر من شهر مارس عام 1954 صدرت في باريس رواية تحت عنوان «Bonjour Tristesse» البعض يترجمون العنوان للغة العربية بـ«صباح الخير أيها الحزن» وحملت توقيع فرانسواز ساغان. لم يكن أحد قد سمع قبل ذلك بهذا الاسم.

كان الاسم مستعاراً وصاحبته كانت فتاة في الثامنة عشرة من عمرها اسمها فرانسواز كواريز. وكانت قد حضرت في مطلع تلك السنة 1954 إلى دار نشر «جوليار» الباريسية ومعها ظرف فيه مخطوط رواية وتبحث عمّن يقبل نشره. لقد كتبت على الطرف بخط يدها فرانسواز كواريز وأرفقت بالاسم عنوانها محددة القول إنها من مواليد 21 يونيو من عام 1935، وكانت قد أرسلت النص إلى دور نشر أخرى عدّة.

كان الظرف يحتوي على الصفحات الـ 160 لروايتها التي تريد نشرها والتي استعارت عنوانها من بيت للشاعر الفرنسي الكبير بول ايلوار، وكتبت مؤدّاه في الجملة الأولى من المخطوط التي غدت من الأقوال الشهيرة في الأدب الفرنسي لاحقاً وجاء فيها ما معناه «أتردد في وضع الاسم الجميل والخطير والمبهم كعنوان للمشاعر المبهمة التي تتملّكني بما فيها من قلق ونعومة في آن».

عواقب

بعد تردد كبير وأكثر من تدخّل قرر الناشر قبول النص وبالتالي نشره. واضطر يومها أهل فرانسواز كواريز أن يقوموا هم أنفسهم بتوقيع العقد مع دار النشر على اعتبار أن ابنتهم لم تكن قد وصلت آنذاك إلى سن البلوغ حسب القوانين النافذة. لكنهم وضعوا شروطاً من أجل القبول بالتوقيع خشية على «سمعة العائلة» من الفشل المتوقع للرواية بسب صغر سن ابنتهم «كيكي»، كما كانوا يطلقون عليها، وبسبب قلّة تجربتها وإدراكهم لشخصيتها «القلقة».

كان شرطهم الأكثر تمسّكاً به للتوقيع هو أن تتبنّى ابنتهم اسماً مستعاراً يحمي أسرة كواريز من العواقب المادية والمعنوية. وجدت ذلك الاسم المستعار لدى الروائي مارسيل بروست، صاحب العمل الشهير «البحث عن الزمن الضائع»، حيث حمل أحد شخوصه اسم ساغان وغدت هي فرانسواز ساغان. بالنتيجة وصلت رواية «مرحبا أيها الحزن» إلى رفوف المكتبات الفرنسية في شهر مارس من عام 1954.

كان النجاح سريعاً وكبيراً وأبعد مما كان يمكن لمخيلة الكاتبة وأسرتها تصوره. ذلك أنه بعد صدور «صباح الخير أيها الحزن» بفترة قليلة خرجت صحيفة «الفيغارو» الفرنسية الشهيرة وعلى صدر صفحتها الأولى مقال للأديب الفرنسي الكبير فرانسوا مورياك ذي الشهرة العالمية عمّد فيه ولادة الوحش الأدبي الجميل الساحر وشبّه مؤلفة «صباح الخير أيها الحزن» بكبار المبدعين من الكتّاب الفرنسيين والعالميين.

مديح وثناء

وفي السياق نفسه من المديح والثناء الذي كاله النقّاد للرواية وبعد عشرات المقالات في أكبر المجلاّت والصحف نالت فرانسواز ساغان جائزة النقّاد الأدبية الكبرى، حيث كان من بين أعضاء اللجنة المانحة شخصيات أدبية مرموقة ونقّاد أدبيين كبار ليس أقلّهم شأناً «جورج باتاي وجون بولهان وموريس بلانكو»، وهؤلاء من كبار الأسماء في التاريخ الأدبي الفرنسي الحديث.

عن نيلها تلك الجائزة كتب فرانسوا مورياك نفسه، «لقد تمّ منح جائزة النقّاد لوحش أدبي جميل في الثامنة عشرة من العمر. لكن موهبته الأدبية تتفجّر منذ الصفحة الأولى، وبالتالي لا يمكن إثارة أي جدل حول منح تلك الجائزة». مع ذلك أُثيرت حول منحها ضجّة كبيرة على خلفية الجرأة التي اتسمت بها الأفكار المطروحة في العمل .

فيما يتعلق بسلوك امرأة شابة في السياق الاجتماعي لسنوات الخمسينات من القرن الماضي. تجدر الإشارة أن العديد اعتبروا أطروحات ساغان بمثابة بدايات المسار الذي أدّى إلى ما عُرف في فرنسا بـ«ثورة الطلبة» في شهر مايو من عام

طباعة Email
تعليقات

تعليقات