كتابه «1914 ـ 2014» يرصد تقهقر أوروبا وتراجع تأثيرها عالمياً

جان بيير شوفنمون.. رجل سياسة ووزير وكاتب

بعد أن قدّم سلسلة من الكتب حول أوروبا ومستقبل الاتحاد الأوروبي، يكرّس الوزير الفرنسي الأسبق في عدد من الحكومات، جان بيير شوفنمون، كتابه الصادر، أخيرا، للقارّة الأوروبية ومستقبلها، منذ نشوب الحرب العالمية الأولى، وحتى العام 2014. يحمل الكتاب عنوان "1914 2014.. هل خرجت أوروبا من التاريخ؟". والكتاب بمجمله، محاولة للإجابة على هذا السؤال.

يعد جان بيير شوفنمون، أحد رجال السياسة الفرنسيين المعاصرين المعروفين. تولّى وزارات التربية والدفاع والداخلية والصناعة، في عدد من الحكومات الفرنسية. لكنه أيضا، كاتب معروف قدّم حتى الآن حوالي 20 كتابا لاقت اهتماما كبيرا من قبل القرّاء والنقاد. هذا فضلا عن مساهماته في الكتابة بالعديد من الدوريات الكبرى، ومشاركته في النقاشات العامّة في مختلف وسائل الإعلام، المقروءة والمكتوبة والمسموعة. ويؤكد متخصصون، كثر، أن جان بيير شوفنمون، رجل السياسة والحكم، كان متصالحا باستمرار مع شوفنمون، رجل الفكر والكتابة.

" شوينمان "

شوفنمون هو ابن أسرة كانت تعمل في سلك التعليم. فوالده ووالدته كانا معلمين تعود أصولهما إلى سويسرا. ذلك كما يدل اسمهما الأصلي : شوينمان . وجرت "فرنسة" هذا الاسم إلى: "شوفنمون "، تحديدا في القرن الثامن عشر. وزوجته "نيزا " من مواليد مدينة القاهرة، وهي رسّامة ونحّاتة لديها مساهماتها الفنية العديدة في فرنسا. وتتحدث بحنين كبير عن مصر، بلد مولدها.

ونال جان بيير شوفنمون(من مواليد عام 1939 في مدينة بلفور، وسط فرنسا)، في عام 1960، الشهادة العليا من "معهد الدراسات السياسية" في باريس. ثم شهادة "المدرسة العليا للإدارة" التي تخرّج منها العديد من القيادات السياسية الفرنسية .

" أممي " في الـ25

بدأ شوفنمون مسيرته السياسية عبر انخراطه عام 1964، عندما كان في الخامسة والعشرين من عمره، كأحد أعضاء ما عُرف بالفرع الفرنسي للأممية العمالية. وكان أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الفرنسي، مع الرئيس الفرنسي الأسبق، الراحل فرانسوا ميتران. وكان من الداعمين لميتران للوصول إلى رئاسة الحزب ولكنه عُرف بمواقفه الراديكالية ما عرّضه للاستبعاد من صفوف الحزب الاشتراكي سريعا.

وزير في عدّة حكومات

اشتهر جان بيير شوفنمون بصراحته وبمواقفه التي لم يساوم فيها عامّة، على مواقفه . وهكذا لم يتردد في الاستقالة من أول منصب وزاري له على رأس وزارة التكنولوجيا والبحث العلمي التي تولاها، بعد فوز ميتران برئاسة الجمهورية الفرنسية عام 1981 .. وقال يومها كلمته الشهيرة :

" أن تكون وزيرا يعني أنه عليك أن تغلق فمك. وإذا كنت حريصا على فتحه فعليك الاستقالة". شغل جان بيير شوفنمون منصب وزير التربية الوطنية في فرنسا لمدّة عامين اعتبارا من عام 1984 . ويعتبر أن أهم عمل قام به على رأس تلك الوزارة، هو عودة إلى تعليم مادة التربية المدنية في المدارس الفرنسية، بعد أن كانت قد أُلغيت منها منذ عام 1969.

وفي عام 1988 تولّى منصب وزير الدفاع الفرنسي، في حكومتي ميشيل روكار: الأولى والثانية. واستقال شوفنمون من وزارة الدفاع في عام 1991، بعد حرب الخليج الأولى، احتجاجا على انخراط القوات المسلّحة الفرنسية بالحرب داخل الأراضي العراقية. وذلك على أساس أن قرار الأمم المتحدة ومشاركة الجيش الفرنسي، كانت تقتصر على تحرير الكويت وليس غزو العراق.

واعتبر أن الذهاب أبعد من تلك المهمة التي تتمتع بالشرعية الدولية، كان يعني تجاوزا لتلك الشرعية وللالتزام الفرنسي الصريح بتلك الشرعية. ومن المعروف عنه عامّة وقوفه مع القضايا العربية، التي يعتبرها عادلة، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، كما يبدو في كتاباته ومواقفه.

تبدو في كتابات شوفنمون، ميوله الواضحة من أجل العمل على دمج المهاجرين بصورة كاملة في النسيج الاجتماعي الفرنسي. ذلك أن عملية "تمثّلهم لغويا وثقافيا واجتماعيا تؤدي إلى تعزيز فكرة الأمة الواحدة الموحّدة .. التي لا تقبل التجزئة ". وهو يعارض مقولة " التمييز الإيجابي "، بمعنى إعطاء الفرنسيين الذين ينحدرون من أصول مهاجرة، بعض الامتيازات في الجامعات والمدارس العليا وغيرها. ويرى أن الكثير من المهاجرين :" غير قابلين لتسوية أوضاعهم. لكن لا يمكن طردهم، بالوقت ذاته. وهذا يعود بصورة رئيسية إلى وجود تشريعات قانونية غير ملائمة".

خارج الحكومات والمناصب

المعروف عن شوفنمون أنه كان من أنصار تشديد القبضة الأمنية، لكن مع الاهتمام بتربية الشباب ومحاولة إعادة تربيتهم وتوجيههم، وليس الإسراع في إيداعهم السجون . وعلى خلفية خلافه مع وزيرة العدل، آنذاك:

اليزابت غيغو، حول ذلك، وقضايا كثيرة أخرى، أنهى شوفنمون مسيرته في المناصب الوزارية.وبدأت بالمقابل مسيرته في النضال السياسي، بلا أي منصب رسمي. إذ أسس ما سمّاه " القطب الجمهوري" الذي تحوّل إلى "حركة الجمهورية والمواطنة". وغدا رئيسها الفعلي أو الشرفي، عدّة مرّات. وترشّح الى منصب رئيس الجمهورية في انتخابات عام 2002.

فلقي دعم كتاب ومثقفين كثر، من بينهم : ريجيس دوبري وجان فرانسوا كان وماكس غالو. واعتبارا من عام 2005 بدأ شوفنمون معركة سياسية وفكرية، من أجل دفع الفرنسيين إلى الاقتراع ضد تصديق المعاهدة الأوربية. وتابع النهج المناوئ للصيغة التي قام عليها الاتحاد الأوروبي.

أصبح شوفنمون في مطلع العام 2011، رئيسا لـ "جمعية فرنسا ـ الجزائر". كما كان جان بيير شوفنمون باستمرار، من أنصار التأكيد على السيادة الفرنسية في إطار الاتحاد الأوروبي.وبالتوازي مع الموقف حيال المسار الأوروبي القائم، يعلن شوفنمون مناهضته الصريحة لانضمام بلاده، فرنسا، إلى الحلف الأطلسي . كما أنه اختار لأحد كتبه عنوانا يسأل فيه " هل انتهت فرنسا ؟". وهو يرفض فيه فكرة أن تخرج بلاده من التاريخ وتغدو مجرّد " حديقة للتسلية".

قارة خرجت من التاريخ.. فكيف نعيدها؟

تتوزع مواد كتاب "1914 2014.. هل خرجت أوروبا من التاريخ؟"، بين ثلاثة أقسام رئيسية، لها دلالاتها الواضحة عن مضمونه. ويتألف كل منها، من من عدّة فصول . يحمل القسم الأول عنوان :" كيف اندفعت أوروبا نحو المنطقة السوداء؟" . ويبحث الثاني في العبور الأوروبي "من عولمة إلى أخرى". أمّا القسم الثالث والأخير، فهو مخصص للإجابة عن السؤال التالي: " كيف يمكن إعادة أوروبا إلى التاريخ؟".

عولمات

يشير المؤلف في مقدمة الكتاب، إلى أن مناسبة الذكرى المئوية لاندلاع أول حرب كونية في التاريخ البشري، والتي يطلقون عليها في الغرب، توصيف : "الحرب الكبرى"، ستكون مناسبة تستخدم لـ "غايات سياسية "، تحت عنوان عريض، مفاده أن تلك التجربة الأليمة والمدمّرة "لن تتكرر".

الفكرة الأساسية التي يطوّرها المؤلف، هي أن القارّة القديمة، اوروبا، خرجت تدريجيا من التاريخ، بعد أن احتلت الولايات المتحدة الأميركية مصدر الصدارة على المسرح الدولي، اعتبارا من النصف الثاني من القرن العشرين . ويحاول المؤلف، للبرهنة على هذا " الخروج من التاريخ"، المقارنة بين "العولمة الأولى" التي سبقت نشوب الحرب العالمية الأولى، وكانت تحت زعامة بريطانيا. وبين "العولمة الثانية"، الحالية، تحت الزعامة الأميركية.

مقارنة مفيدة

يلفت المؤلف في كتابه، إلى أن العولمة الأولى تمتد، ما بين عامي 1860 و 1914. وكانت بريطانيا تتولى القيادة فيها عبر سيطرتها على إمبراطورية كبيرة.. وانتهت تلك العولمة بنشوب الحرب العالمية الثانية. والعولمة الثانية ظهرت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في ظل الهيمنة الأميركية .وثبتت أركانها في النصف الثاني من القرن العشرين لتعرف ذروتها بعد سقوط جدار برلين عام 1989 . ويؤكّد شوفنمان أن المقارنة بين هاتين العولمتين مفيدة جدا.

مسألة الهيمنة

يوضح شوفنمون أن هذه "العولمة" وتلك، تطرحان مسألة الهيمنة التي لا يمكن من دونها فهم اسباب نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، ولا فهم تحوّل مركز القوة في العالم حاليا، من أميركا نحو آسيا. والإشارة في هذا الإطار، الى أن أوروبا بحاجة ملحّة راهنا، لاستعادة ثقتها بأممها كي تمتلك مستقبلها ومصيرها بيدها، وتتخلص بالتالي، من "حالة التهميش " التي تجد نفسها مدفوعة نحوها في ظل الإزدواجية القطبية العالمية الأميركية ـ الآسيوية التي ترتسم ملامحها بوضوح.

«المعلّم الصيني»

يبين المؤلف أنه في الحالتين، نحن أمام "عولمة ليبرالية". ذلك أن قيام أية سوق عالمية كبيرة لم يكن قابلا للتحقق بلا وجود قوّة مهيمنة، يطلق عليها تسمية "المعلّم". هذا "المعلّم" كان بريطانيا في "عولمة القرن التاسع عشر" إذ بدا أن مصدر التهديد آنذاك، على القوة البحرية البريطانية التي سادت العالم عبر السيادة على البحار، هو ألمانيا "الصاعدة"..ذات النزعة "الإمبريالية". في مثل ذلك السياق نشبت الحرب العالمية الأولى.

و"المعلّم" في العولمة الحالية هو الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن "اجتازت هيمنة" الشاطئ الأوروبي للمحيط الأطلسي نحو شماله.

يرى شوفنمون أننا نعيش اليوم في عالم استعاد فيه الصينيون المكان الذي كانوا يشغلونه في مطلع القرن التاسع عشر. وينطلق من العولمة الأولى : البريطانية، كي يصل إلى العولمة الراهنة، وتسارع تقهقر أوروبا على المسرح الدولي. ويشرح في هذا السياق، أن الحربين العالميتين اللتين انطلقتا من ألمانيا لم تقللا من مصداقية الأمم الأوروبية.

«أوروبا أوروبية»

يشرح شوفنمان في القسم الأخير من الكتاب، أن أوروبا الموحّدة في إطار الاتحاد الأوروبي، لن تستطيع الذهاب بعيدا في صيغتها الحالية . ذلك بسبب الفوارق الاقتصادية الكبرى بين بلدانها. ويشير الى ان قيام "أوروبا أوروبية" وليس "أوروبا ألمانية"، يتطلّب منظومة نقدية جديدة ـ غير اليورو ـ، وايضاً، رؤية سياسية في إطار كونفيدرالي لشعوب حرّة، من ضفاف البحر المتوسط الأوروبية وحتى روسيا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات