مجموعة «أم النسور» أعادته إلى القصة

عبدالرضا السجواني: الأدب منفى للبوح والقلق والأسئلة

صورة

الحديث عن القصة القصيرة، أسهل الطرق للوصول إليه. إذ لا يزال يؤمن، أنها أجمل الفنون الإبداعية، وأقدرها على ملامسة جماليات الكون بإرهاصاته، كون المتلقي يجد فيها أرقى مذاهب القراءة المعرفية. تلك هي حال ورؤية القاص الإماراتي عبدالرضا السجواني، الذي يعاود الحضور من جديد، في عمق المشهد الإبداعي، مُعلناً مع صدور مجموعته القصصية الجديدة:

 "أم النسور"، رجعته إلى ساحات الإبداع بحضور أقوى من المدفع، وذلك بعد غياب دام أكثر من 10 سنوات، على مستوى النشر، وما يقارب الـ 15 سنة من انقطاعه عن المشاركة التفاعلية في المشهد الثقافي المحلي، مدفوعاً، كما يقول في حواره مع "بيان الكتب"، باعتبارات وضرورات التفرغ للكتابة، من جهة، والسعي الدائم الى تأكيد ضرورات إعادة النظر في طبيعة البيئات الثقافية، من جهة أخرى. كما يوضح السجواني أنه يرى الأدب منفى للبوح والقلق والجنوح نحو الأسئلة.

موجة حديثة

توضح في "أم النسور"، ان هناك تطويراً نوعياً في أدوات الكتابة لديك. فما أبعاد تلك التطورات واثرها في البنية الفنية للقصة عندك، وهل يمكن القول، إن وجهة نظرك تجاه الكتابة (الكلاسيكية) أو (التقليدية)، تغيرت بعد موجة أسلوب كتابة القصة الحديثة؟

لا يجوز أن نتنازل عن التقنيات الرئيسية للقصة القصيرة، المتمثلة في الحدث الفني والشخوص. وما كنت قد أشرت إليه فعلياً يتركز على التطور لدي في أوجه التعبير التقني داخل القصة. فمثلا "أم النسور" اتخذت فيها من الحيوانات شخوصاً تتحدث، وتمارس فعل التعاطي مع الحياة، ومنها تحديداً وددت إبراز نص حيّ ونابض، يصور الظلم السائد، وتراجع العلاقات الإنسانية.

يبرز الحديث عن الأصالة والموروث والقيم المجتمعية، في نتاجاتك الأدبية، عبر استخدامك الدائم لتقنية (الفلاش باك) بالرجوع الى القديم.ونجدك تتماهى مع مفردات الفكر البشري ومخرجات المجتمع.. إلى أي مدى هو دور تلك المصادر في تحقيق رسائلك داخل القصة؟

أعتقد أن فكرة ارتباطي بتقنية (الفلاش باك)، تعود إلى تركيبة شخصيتي، فأنا لا أزال أميل الى البساطة في كل تفاصيل حياتي: مع أولادي، في محاكاتي وتناغمي مع الشوارع والأسواق.. وكلنا نؤمن أن الأديب ابن بيئته، وتؤثر عليه مكنوناتها الاجتماعية والنفسية والثقافية، فتتحول إلى إسقاطات في داخل نتاجه، وبها يعكس رؤيته للحياة.

سحر الأماكن

أين تحديدا يكمن عطاؤك الروحي في عملية الكتابة؟

أستطيع الإجابة هنا بإسهاب، عن فكرة تأمل الجمال. لأن المكان على اختلاف تفاصيله، يجعلني في منتهى العلو الفكري المتناهي في الدقة مع الأشياء. وفي الحقيقية، زرت فيينا مسبقاً، وسخرت الحديث في القصة للإشارة إلى مدى انجذابي نحو جماليات الطقس والفصول الأربعة في المدينة، وكيف انها سحرتني حد الرغبة في البقاء فيها.

الأماكن ليست بيئات جغرافية لميكانيكية القصة المكتوبة، بل يشكل معظمها قصصاً لا تنسى أبداً، ويعيش على إثرها الكاتب، جنوناً يبحث عن شخوص تأريخ ألوان الطبيعة فيها. ويأتي تداخل الثقافة والإبداع نبعاً جديداً تتدفق منه قوانين الكتابة الحسية. كما أنني أعتمد عنصر المفاجأة والتشويق في حكاياتي القصيرة، وهذا السبب في تأخر ذهاب إصداراتي إلى المطبعة، لأن إنجاز التقنيات السابقة يحتاج مراحل من القراءة المتأنية والتنقيح والتدقيق المستمر.

عتاب المثقف!

دائماً هناك غضب منصب من قبلك، تجاه الساحة الثقافية المحلية، وأيضاً عتاب مستمر، إضافة إلى اهتمامك الدائم بما تكتبه المرأة، وما تواجهه في مجتمعاتنا المحلية. ما الأسباب الفعلية لملاحظاتك حول تداعيات التنمية الثقافية المحلية؟

لمن أكتب اليوم؟ إنه سؤال كفيل بتقديم بعض الدلالات لفحوى الحراك الثقافي في الإمارات، لا يوجد عتب بالمعنى الكامل للمفردة..هناك الكثير من التساؤلات والمناقشة الموضوعية، الذي يشمل بين طياته رائحة عتب للقائمين على المؤسسات الثقافية. هنا لا أتقدم بشكوى أو ملاحظة، فأنا مستمر بالكتابة القصصية، ولن أتوقف بسبب عدم تقديري من جهة معينة، أو تجاهل من مثقف يدعي الاهتمام بالحراك الثقافي الإماراتي.

وهو غير متابع بشكل لصيق لأهم إفرازاته الأدبية، ما أرجوه فعلاً هو الحفاظ على كيانات الثقافة المحلية، عبر إعادة النظر في أشكال النتاجات، وتوفير فرص أكبر لمدلولاتها، ولا يقصد به الدعم المادي المباشر، رغم انه مطلب رئيسي، ولكن أكثر منه، أن يكون الأمر تحقيقاً وتجسيداً للبيئة الإبداعية، والتحول، فعلياً، إلى واقع أن تكون مادة ممارسة جماهيرية في داخل المجتمع.

وبالنسبة لنتاجات المرأة في المنطقة المحلية، فهذا يكاد يكون واضحاً للعيان، من خلال تصدر الكاتبة الإماراتية، في حقل الكتابة والنشر. ويكفينا المرور على معظم تلك الإصدارات، للتعرف عن قرب، على صراعات المرأة ومعاناتها بين واقع مجتمعها وتطلعاتها الشخصية.

وفي كتابة المرأة تتكشف إشكاليات مغايرة، تحتاج من المثقف مراقبتها والتعرف على حيثياتها من خلال الأدب الإماراتي، والتي تستدعي وعياً عاماً، يتجاوز المهتم بالأدب، ليصل إلى المسؤول، في مختلف المجالات المجتمعية.

أطروحة فنية

قلت: إن (القصة القصيرة.. قد تطورت كثيراً مقارنة بالفنون الأخرى). فهل يمكنك تبيان تفاصيل أكثر حول ذلك؟

ربما أن سر تلك المقولة مرتبط بالجمال، كما أشرت مسبقاً، فإن القصة ترتاد موج السينما والفنون التشكيلية والمسرح، بانجذابيه عالية، كأنها لؤلؤة قررت الطفو على سطح البحر. والتطور فيها له مناح كثيرة، ففي السينما تتحول إلى كاميرا تعطي للأشياء لغة بصرية عالية.. أما مع الفن التشكيلي فتنصب القصة نفسها لغة وجود. ونتبين أيضاً، تلاعب أبي الفنون (المسرح) بالقصة من خلال تطور الفنون الأدائية.

مساحات رحبة للتأمل في رياض القص

 يصف القاص الإماراتي عبدالرضا السجواني، مجموعته الجديدة: (أم النسور)، أنها تمثل 14 قصة قصيرة (مختمرة).

ويقصد بذلك أنها، في النهاية، جمعت بين قصص كان قد أنجزها منذ ثماني سنوات، جملة نتاجات قصصية جديدة له، أضافها عليها.

ويلاحظ عبرها القارئ، تطوراً نوعياً في طبيعة ومقاييس التجربة القصصية ضمن اسلوب السجواني، إضافة إلى استمراره في طرح قضايا اجتماعية تلامس هواجس المجتمع، وتنطلق من نافذة قلق الكاتب حول ما يدور من حوله، على مستوى الأفراد والمجتمعات.

دوافع وقيم

اختار السجواني أن يضمن مجموعته، جملة محمولات فكرية، تُجسّد رسائل دالة ومباشرة، مفادها التأكيد على أهمية احترام عقلية القارئ، وذلك من خلال اهتمامه بحركة القصة على مستوى المفردة والصياغة وحبكة الموضوع، باحثاً بشكل جليّ، عن دوافع التجسيد الإنساني للعفو والتسامح وتحقيق العدل والعمق في رؤية الأشياء وتفسيرها من قبل القارئ، ومستهدفاً توسعة مساحات التأمل للمهتمين بالكتابة القصصية في الإمارات.

سيرة

 عبدالرضا السجواني. قاص وكاتب إماراتي. حاصل على البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة الإمارات، عام 1981م. وهو مؤسس " إدارة العلاقات العامة والإعلام التربوي في "وزارة التربية والتعليم"، منذ عام 1981م. وهو عضو مؤسس في اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات. شارك في تأسيس وتحرير مجلتي: «شؤون أدبية»، «دراسات»، اللتين تصدران عن "كتّاب وأدباء الإمارات"، منذ الثمانينيات من القرن الـ20. أصدر مجموعات قصصية، عديدة، منها: ذلك الزمان، زلة عذاري، هاتف الشمس.

تعليقات

تعليقات