هل يتم استخدام بطاقة التأمين الصحي بالشكل الأمثل؟

في عام 2007 كنت أشغل منصب المدير الإقليمي في مؤسسة التأمين الصحي الدولي الخاص ، سألتني سيدة ذات مظهر أنيق ترتدي نظارات وتظهر على وجهها ملامح الذكاء فيما إذا كان بإمكانهم إنفاق 3 مليون دولار على الصحة سنوياً حال كون هذا المبلغ قد رصد كسياسة سنوية للشركة ، وكان ذلك خلال اجتماع لي بالمدراء التنفيذيين لهذه الشركة حيث كنت أقوم بتقديم نظام التأمين الصحي الذي تم منحهم إياه .

ويلخص هذا السؤال إلى حد كبير نظرة سكان الشرق الأوسط إلى التأمين الصحي كمواطنين عاديين لا يملكون خلفيات حول أنظمة التأمين العالمية .

في هذه المنطقة من العالم يتم استخدام بطاقة التأمين الصحي أكثر من بطاقات الإئتمان بوصفها وسيلة لتخفيف التكلفة ، ويُظهر ذلك حقيقة أن التأمين الصحي يتم تقديمه غالباً من قبل صاحب العمل كجزء من الحوافز والمغريات المقدمة للموظفين خلال عملية التوظيف .

وقد ساهمت الأزمة الإقتصادية التي ضربت العالم عام 2008 إلى دفع الحكومات الإقليمية لبحث خفض النفقات في كافة القطاعات ، بما في ذلك قطاع الرعاية الصحية ، مما دفعها للتوجه نحو سياسة التأمين الإلزامي عن طريق دفع الشركات لتأمين موظفيها وأسرهم صحياً.

وكانت الإمارات العربية المتحدة أول من انتهج هذه السياسة عن طريق العاصمة أبو ظبي منذ عام 2006 ، ومن ثم صدر هذه القانون في إمارة دبي مؤخراً ، وتشهد المملكة العربية السعودية نفس العملية في حين ينتظر من دول مجلس التعاون الخليجي المضي قدماً في تطبيق هذه السياسة .

وتهدف القوانين في الإمارات العربية المتحدة إلى تسهيل الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية العالية الجودة والفعالة بأفضل التكاليف ، تزامناً من توفير فرص استثمارية نشطة في القطاع الصحي .

وقد أوصلت هذه القوانين إلى نتائج إيجابية حيث سمحت بجمع بيانات دقيقة أعطت الفرصة لمزودي الرعاية الصحية في أبوظبي ودبي لتحليل هذا القطاع بدقة واتخاذ قرارات تدفعه للسير على الطريق الصحيح ، وقد تحقق ذلك من خلال تطبيق أسس الترميز الطبي والفواتير الطبية الإلكترونية مما أدى لسداد تكاليف الخدمات الطبية لمقدميها .

وترتكز أسس الترميز الطبي على تعيين رموز معينة لتشخيص الحالات الطبية للمرضى وتتم من قبل مبرمجين معتمدين يرتكزون في عملهم على نتائج الفحوص السريرية حيث يتم تحديد تكاليف الخدمات وطرق الدفع .

وكل ذلك يضمن للمريض دقة الخدمات التي تقدمها شركات التأمين ومزودي الرعاية الصحية حيث تظهر كل التفاصبل في الفواتير الطبية.

نحن في مؤسسة أكيوميد أجرينا دراسة تتعلق بالشروط الأساسية الخمسة في الإمارات وقمنا  بتحليل الإجراءات التشخيصية للمخابر المتعلقة بتشخيص بعض الأمراض كمرض السكري وارتفاع ضغط الدم واضطرابات الغدة الدرقية ونقص فيتامين د .

وقد نظرت الدراسة إلى ما يقارب 598.000 شكوى للمختبرات بين عامي 2011-2012 تقدر قيمتها بـ 236 مليون درهم ، وما يعادل 8.6% منها - 20.4 مليون عبارة عن نزاعات بين مزودي الرعاية الصحية وشركات التأمين مما يعكس كمية التناقضات في عدد من الإختبارات التي تم تغطية تكاليفها ، لذلك تم ملاحظة أنه في العديد من الحالات يقوم مزود الرعاية الصحية بطلب أشياء معينة كفحوص واختبارات من المريض تعتبرها شركات التأمين غير ضرورية لحالته .

وفي نفس الوقت ظهرت حالة معاكسة حيث ترى شركات التأمين في العديد من الفحوص والإختبارات الطبية ضرورة للمريض في حين يرى مزود الرعاية بعدم ضرورتها من وجهة نظر طبية .

و قامت الدراسة بتحليل ما يقارب 25.844 حالة من مرض السكري ووجدت أن عدد الفحوص التي طلبت من المرضى للتشخيص خلال الزيارة الواحدة ارتفعت من 2 إلى 12 لكل حالة .

وفي نفس السياق قامت أيضا الدراسة بوضع 10.016 حالة من مرضى ارتفاع ضغط الدم والذين خضعوا إلى ما بين 2-12 اختبار للتشخيص بمتوسط تكلفة تبلغ ما بين 32.56-187.19 درهم ، وأيضا 4.790 حالة لمرض فقر الدم مع 6-16 فحص بتكلفة تبلغ 58.62 - 153.23 درهم .

لذلك ليس من الشائع بالنسبة لنا كأشخاص عاديين أن نقوم بأي مقارنة بين خبرتنا العلاجية التي تلقيناها على أيدي مزودي الرعاية لنجد الإختلاف في طريقة العلاج حتى بالنسبة لعلاج مرض مشترك ، ويعود هذا الإختلاف الصادم في طرق تقديم العلاج إلى نقص المعايير الطبية التي توجه طرق العلاج والتشخيص .

مزودي الرعاية الصحية وشركات التأمين في بلدان الخليج العربي يسيرون وفق خطط علاجية مختلفة نظراً لاختلاف ثقافتهم أو المدارس الطبية التي يعودون لها ، وهو السبب الرئيسي في الظاهرة التي حولت الأطباء والعيادات إلى ما يشبه المتاجر .

كما أن هناك مشكلة أخرى يجب طرحها وهي قضية الإرتفاع المتزايد لتكاليف العلاج في بلدان الخليج العربي ، ويعود ذلك إلى تعدد مزودي الرعاية الصحية والتنافس القائم بينهم .

وكرد فعل فوري أطلقنا هذه الدراسة التي تظهر الإفراط في طلب الفحوص من المرضى ، لذا نرى أن خفض عدد هذه الفحوص يقود إلى تحسين نوعية العلاج ، حيث كان من الواضح في كثير من الحالات نقص المعرفة حول الطريقة التي يجب البدء بها .

وكحل منطقي لتحقيق الإستغلال الأمثل للموارد الصحية ، يجب على كافة قطاعات الرعاية الصحية وشركات التأمين الإتفاق على معايير محددة مستمدة من بيانات المرضى في البلد والبنية الديموغرافية للسكان تزامناً مع احتياجاتهم .

أسس الرعاية السريرية هي المبادئ التوجيهية الطبية التي تعتمد على الممارسات المبنية على الأدلة والتي يتم فيها حصر وتحديد المهام التي يقوم بها الإطباء اتجاه المرضى ، وتعتبر وسيلة حيوية لتحقيق الجودة الأمثل للرعاية وتوحيدها الذي يقلل من الإختلاف في الممارسة السريرية ، كما يوضح أسس العلاج الفعال من حيث النتيجة والتكلفة باعتماد الممارسة القائمة على الأدلة .

وكشخص مريض أهم ما أريده هو رؤية طبيبي يتبع أفضل الإجراءات لعلاجي وبأن شركة التأمين الخاصة بي سوف تقوم بتغطية كافة التكاليف بدون رفض أي نوع من أنواع العلاج الذي يجبر الطبيب في هذه الحالة لاتباع طرق علاجية أدنى مستوى خصوصاً إذا كنت لا أستطيع تغطية تكاليف العلاج بشكل شخصي .

وسوف تدفع أسسس الرعاية الصحية مقدمي هذه الرعاية إلى العناية بمنشآتهم الصحية وتحسينها وضمان أنظمة الدفع الآمنة   للخدمات المقدمة ، ومن ناحية أخرى سوف تضمن شركات التأمين تقديم العلاج الأمثل من الزيارة الأولى و تخفيف الإجراءات الغير ضرورية مما يدفع لتأسيس نظام رعاية صحية مثالي وجذاب للمستثمرين ، يحسّن من موقع الإمارات العربية المتحدة كمنافس قوي بعد نشر تجربة السياحة العلاجية عالمياً.

ومن خلال خبرتي لـ 15 عاماً كممارس طبي ومستشار إداري في مستشفى ومختص في التأمين الصحي بالإضافة إلى تأسيس   نظام الفواتير الطبية في الشرق الأوسط فقد فهمت أن نظام التأمين الصحي لا يعني علاج المستفيد من النظام وإنما من سيدفع تكاليف العلاج ، المريض أو المسشتفى أو التأمين ؟

ويعود ذلك كون التأمين وضع لتغطية التكاليف العلاجية للمكتتب وفق شروط محددة وحدود معينة تختلف من بوليصة تأمين إلى أخرى لذا فإن هذه الخلافات بين مقدمي الرعاية وشركات التأمين ناتجة عن اختلاف الأهداف وخطط العمل ، فغياب هذا التأمين يؤثر على الإستدامة المالية لقطاع الرعاية الصحية مما يترك مقدمي هذه الرعاية تحت وطأة التعامل مع التكاليف الفعلية .

والخاسر في النهاية سوف يكون الأشخاص العاديين والذين سوف يتأثر مستوى معيشتهم سواءاً بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، بغض النظر عن الإفتراضات الساذجة التي تقول بأن أصحاب العمل هم من سوف يدفعون لقاء هذه الخدمات.

وتسعى شركات التأمين إلى تقليل الخسائر قدر الإمكان ، وتقوم بذلك عن طريق تقليل فوائد البوالص وبالتالي تغطية المريض باعتباره المستفيد منها أو سوف يقومون بطلب زيادة الأقساط وبالتالي صاحب العمل هو الذي سوف يقوم بالدفع .

من المهم توعية الناس حول تأثير هذه العمليات على مستوى معيشتهم وذلك يتطلب جهدا من المنظمين ووسائل الإعلام لنشر هذا الوعي لكي يعرف المرضى كيفية تلقيهم للعلاج ، وكيفية عمل بوالص تأمينهم ، وهي بالفعل قصة أخرى .

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات