" وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا”

الدكتور منصور أنور حبيب استشاري طب الاسرة والصحة المهنية

" وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا”

يامن غزا الشيب رأسهم , وارتسمت تجاعيد الحكمة والوقار على محياهم, وانحنت تجارب الزمان على ظهورهم, أهديكم كلمات لعل وعسى يكون فيها رد القليل من كثيركم.

تتميز مرحلة الشيخوخة باعادة جدولة لعمل أعضاء الجسم المختلفة. حيث تعمل الكليتان بطاقة أقل وكذلك الكبد . وتصاب عظام الجسم تدريجياً  بالترقق. وينخفض أداء خلايا الجسم . وهنا يحدث الالتباس . حيث يوضع المسن في خانة المرض وينظر له بعين العطف والشفقة متناسين أن هذا التغيير في حركة أعضاء الجسم جزء لايتجزأ عند فئة المسنين.

في خضم هذا الهدوء يبقى دماغ المسن مزدحماً  بخبرات وتجارب لامتناهية . من ناحية يساعد هذا في تكوين رجاحة عقل والحكمة في تناول أمور الحياة لكن من ناحية ثانية تتحرك عاطفة المسن باتجاه العودة للطفولة . وتبدأ المتعة. عناد هنا وبكاء هناك وغضب طفولي في أمر وفرحة بريئة في أمر آخر. وليس هناك آفضل من الرحمة معهم في تناول هذه اليوميات والأحداث.

هذا من جهة, ومن جهة أخرى تبدأ آثار ترهل الجسم في الظهور. فمن الأمراض الشائعة عند كبار السن هي كسر عنق عظمة الفخذ مع ظهور عوامل عديدة تساعد في تعرض المسن للسقوط وحدوث الاصابة لكن أهم عامل هو عدم توفر البيئة المنزلية المناسبة لحركة كبير السن . فمن انعدام الزلاقات إلى وجود الديكورات الأرضية وصولاً إلى بيت راحة غير مجهز. ومع أن وجود الأبناء لمساعدة شيبتهم مهم وجيد لكن توفير البيئة المناسبة لإبقاء المسن قادراً الاعتماد على نفسه جزء لايتجزأ من إعادة التأهيل.

كما يصاب الكثير من المسنين بقروح الانضغاط نتيجة لقلة الحركة والبقاء في الفراش لساعات طويلة. فبسبب تعرض عضلات الفخذ الخلفية للضغط المستمر على السرير تبدأ خلايا الجلد  في التكسر وتتآكل المنطقة حتى تتقرح وتصل في أحيان كثيرة لعظم الفخذ الذي ينكشف ويتعرض للعدوى البكتيرية . هنا يأتي دور إعادة التأهيل وتدريب المسن على كيفية التقلب الدوري على الفراش وتأكيد ذلك على مقدمي الرعاية من أفراد العائلة.

في السنوات الاخيرة بدأت الكثير من الدول في سباق محموم للحفاظ على كبارها وتوفير أفضل سبل الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية لهم. فوجودهم في صحة وعافية يساعد  في دمجهم بالمجتمع بفعالية. ومن أهم الوسائل لتحقيق هذا الهدف هو التركيز على مبدأ إعادة التأهيل. فهناك الذي أصيب بالجلطة الدماغية وهنا الذي دخل في نفق الاكتئاب. لكن المشكلة في مجتمعاتنا العربية وضع ختم " انتهت الصلاحية" عند دخول الفرد لفئة كبار السن متناسين أن الصلاحية مرتبطة بقدرة العقل على العطاء وليس بالسن, فهناك الكثير من الشباب منتهي الصلاحية رغم بروز عضلات أجسامهم.

تضمن إعادة التأهيل وضع كبير السن في المسار الصحيح وتفعيل بدنه وروحه بشكل إيجابي. وهنا أذكر تجربتين فريدتين من نوعهما. الأولى هي " استراحة الشواب" . مركز يعنى بالمسنين في إمارة دبي. حيث يقدم المركز مجموعة متنوعة من الخدمات الصحية والاجتماعية والنفسية والطبية والعلاج الطبيعي والتأهيلي وتنمية القدرات بالإضافة إلى تقديم الغذاء والنظافة الشخصية لكبار السن. والذي يميزه هو توفير هذه الخدمات في الصباح فقط وإعادة المسن لمنزله في الليل. هذا التوازن يضمن عدم انسلاخ كبار السن عن محيطهم وفي نفس الوقت تسليحهم بالوسائل المناسبة للحفاظ على استقلاليتهم وعدم الاعتماد على الغير.

أما التجربة الثانية والتي انطلقت قبل أشهر قليلة هي  مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لرعاية صحة كبار السن. وتتميز هذه المبادرة بتقديم الخدمات التشخيصية والعلاجية لمحتاجيها من كبار السن في منازلهم بمختلف إمارات الدولة، ووفقاً لأحدث المعايير والممارسات الطبية في هذا المجال.

خدمات جليلة وجهود مشكورة في سبيل الحفاظ على من كان لهم الفضل في بناء الوطن وجعل البيت متوحداً.

وهاهو بديع الهمزاني مادحاً الشيب قائلا:

يامن يعلل نفسه بالبـــاطل ------ نزل المشيب فمرحبا بالنـازل
ان كان ساءك طالعات بياضه ------ فلقد كساك بذاك ثوب الفاضـل
لا تبكين على الشباب وفقـده ------- لكن على الفعل القبيح الحاصل


 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات