العلاج يكمن في التربية الإسلامية

عصبية الأطفال.. ظاهرة مرضية أسبابها غياب الدفء الأسري

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تعد عصبية الأطفال من الظواهر المنتشرة في مجتمعاتنا العربية، إذ تشير الإحصاءات إلى أن هناك طفلاً من بين ثلاثة أطفال يعاني أمراضًا نفسية وعصبية في الفئة العمرية من عام لثلاثة أعوام.. بينما تؤكد معظم الدراسات النفسية أن الشعور بالعجز والانطوائية والحرمان من الدفء الأسري من أهم أسباب عصبية الطفل..

إلا أن رجال الدين أكدوا على أن علاج العصبية عند الأطفال يحتاج إلى أسس تربية سليمة وفقًا لما حض عليه ديننا الإسلامي، مطالبين بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأطفال.. تفاصيل أكثر في سياق هذا التحقيق.

وتروي منى محمود (ربة منزل) تجربتها قائلة: لاحظت عصبية ابنتي الشديدة، عمرها أربع سنوات، منذ أن كان عمرها عامًا، فقد كانت لا تكف عن البكاء المستمر والصراخ، وعندما كان عمرها 3 سنوات وأصبحت تتحرك وتتعرف على الأشياء من حولها، صارت تصرخ دائمًا وترفض تناول الطعام. وتضيف: عندما كنت أضربها لكي تأكل كانت تزيد في العناد وتصرخ وتضرب رأسها في الأرض، فابنتي عصبيتها مفرطة وعنيدة أيضًا، وتعاملي معها بعنف زاد من عصبيتها.

واعترفت الأم بأنها كشخصية عصبية جدًا على عكس زوجها الذي يتمتع بالهدوء، موضحة أنه من الممكن أن تكون عصبيتها هي السبب في زيادة عصبية ابنتها التي تصل أحيانًا إلى مرحلة الاكتئاب.

إلى هذا، قال د.محمد الشحات الجندي ـ أمين عام مجمع البحوث الإسلامية سابقًا، إن الإسلام وضع أمامنا العديد من الأسس في كيفية التعامل مع الطفل، بما يضمن له التربية السليمة، مشيرًا إلى أنه من الملاحظ خلال الفترة الحالية إصابة العديد من الأطفال بأمراض نفسية كالعصبية الشديدة والتوتر والقلق، مما يجعل العديد من الأسر تعيش في حالة من عدم الاستقرار وما يتخللها من وجود خلافات بين الأمهات والآباء.

"الجندي" تحدث عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وكيف كان يتعامل مع الأطفال فيشاركهم اللعب والضحك ويعلمهم المهارات الجديدة، فكان صلى الله عليه وسلم دائمًا مبتسمًا في وجوههم، فمن أقواله "إن أولادَكُم مِنْ أطْيَبِ كَسْبِكُم"، وهو دليل على مكانة الطفل في حياة الآباء، فتربية الطفل بالصورة الصحيحة هي فرض على الأب والأم، إذ يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {يوصيكم الله في أولادكم} (النساء: 11)، وكذلك قوله أيضًا: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} (الأنعام: 151).

طفل معقد

بدورهم، يؤكد علماء النفس والاجتماع أن مشكلة العصبية عند الأطفال تعود في المقام الأول لمتغيرات الحياة وما يتعرض له أفراد الأسرة من مشاكل مادية وخلافات أسرية دائمًا ما تحدث أمام الطفل وتؤثر فيه بصورة مباشرة.

وقال أستاذ الطب النفسي د.أحمد شوقي العقباوي، إنه يوجد نوعان من العصبية لدى الأطفال، النوع الأول الاستجابة لضغوط وظروف يعيش فيها الطفل، كالضغط عليه من أجل القيام بأمر ما، أما النوع الثاني فهو إصابة الطفل فعلاً بأحد الأمراض النفسية كنقص الانتباه وفرط الحركة، بالإضافة إلى نوبات الاندفاع وكذلك مرض القلق المزمن، ومن أعراضه التوتر الشديد والقلق والعناد وكثرة البكاء، وأيضًا أمراض اكتئاب الطفل، حيث إن الطفل المكتئب يعبر عن اكتئابه بالعصبية والصراخ والبكاء الشديد والقلق في أثناء النوم ومزاجه السيئ.

وأرجع د.العقباوي أسباب عصبية الأطفال إلى أن جزءًا منها وراثي من الآباء إلى الأبناء، فعصبية الأطفال ناتجة من الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الطفل داخل الأسرة العصبية، فالطفل يتعلم العصبية عندما يرى الأم والأب، يتصرفان بعصبية، فالأم العصبية تخلق طفلاً عصبيًا.

أما عن كيفية التغلب على هذه الظاهرة فقال أستاذ الطب النفسي إن على الآباء أن يتعاملوا مع الطفل العصبي بصدر واسع وبحنان ويستوعبوا أن للطفل قدرة معينة على الاستيعاب. ولابد من التعامل معه بهدوء للتقليل من حدة العصبية لديه؛ لأن العصبية تؤثر في قدرة الطفل على الاستيعاب والتفوق الدراسي.

أما د.عزة كريم ـ أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية ـ فأشارت إلى أن الأطفال أكثر الفئات والمراحل العمرية حساسية، وأخلاقياتهم وسلوكياتهم رد فعل للمحيط الاجتماعي الذي يعيشون فيه، موضحة أن ظروف المجتمع سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو النادي تتحكم بشكل كبير في الجهاز العصبي عند الطفل، وردود أفعاله تجاه المجتمع.

وأضافت أن المجتمع الآن لا يفرز إلا طفلاً عصبيًا، فقد زادت نسبة العصبية عند الأطفال في الوقت الحاضر على السنوات الماضية، بسبب، أن الطفل الآن أصبح يعيش في أسرة مغلقة وانفعالية وعصبية؛ في ظل مشاكلها الكثيرة، بالإضافة إلى عدم وجود مساحات كبيرة يتحرك فيها الطفل مثل الحديقة.

الوراثة بريئة

هناك الكثير من يعتقد بأن للوراثة دورًا فيما يتعرض له الأطفال من أمراض نفسية وعصبية، إلا أن الدراسات الطبية أكدت عدم صحة هذه المقولة، وأن الأسباب الحقيقية وراء تعرّض الأطفال للأمراض النفسية وخاصة العصبية تكون التنشئة الاجتماعية، حيث هي العامل الأكبر فيها.

وهو ما يؤكده أستاذ طب الأطفال د.يوسف إبراهيم، موضحًا أن السبب الرئيسي لوجود الطفل العصبي هو التنشئة الاجتماعية، والتدليل الزائد للطفل، ومشاهدة التليفزيون وأفلام الكرتون الأكشن التي تحتوي على مشاهد العنف بدرجة كبيرة، وأيضًا الاختلاط بالأطفال العصبيين، حيث من الممكن أن يكون الطفل طبيعيًا لكنه عندما يختلط بأطفال آخرين يتصف سلوكهم بالعدوانية ينتقل إليه هذا السلوك العدواني.

وقال إن العوامل الوراثية لا تتدخل بدرجة كبيرة في عصبية الأطفال بل الأسرة والتنشئة الاجتماعية هما السبب الأساسي.

وأشار أستاذ طب الأطفال إلى أن أعراض العصبية تظهر عند الطفل منذ السنة الأولى، عندما يعي الطفل احتياجاته، وقال إن الطفل يبدأ يترجم عصبيته في مظاهر سلوكية معينة مثلاً البكاء المستمر، وتكسير أشياء داخل المنزل، وقضم الأظافر وشد الشعر والملابس.

أضاف أن الطفل العصبي يؤثر في الأسرة والمجتمع كله. حيث يصبح فيما بعد عدوانيًا، وتزيد لديه دوافع الجريمة. فضلا على أنها تؤثر في تركيزه وقدراته على الاستيعاب والتفوق الدراسي.

وينصح لعلاج الطفل العصبي أولاً بضرورة تعامل الأسرة معه بهدوء وأن تتجنب العصبية والجو المنفعل داخل المنزل. ولابد أيضًا من الاهتمام به وباحتياجاته وتفريغ طاقاته في ممارسة الرياضة؛ لكي يصبح طفلاً أكثر اتزانًا.

طباعة Email