بريطانية ترأسُ قسمَ الدراسات الإٍسلامية في مدرسة ثانوية

رقية: عدت إلى «المنزل» بعد سنوات الضياع

ت + ت - الحجم الطبيعي

لو تعاملت الناس مع ظواهر الأمور، ووقفت أنفسها عليها، لما التذت لحظة في حياتها، ولما رضيت ساعة في عمرها، فكم من محنة يمر بها العبد يريد الله من ورائها منحة، وكم من همٍّ يعيشها ابن آدم يخبئ الله له من بعده نعمة التلذذ بالانشراح وهدوء النفس.

هذا الكلام ينطبق بالكلية على رزلين روشبروك رئيس قسم الدراسات الإسلامية في مدرسة ثانوية للبنين في مدينة "هيل" البريطانية. فقصة هذه المرأة تدل على أنها كانت تمر من موقف إلى آخر، متنقلة تحت رعاية الله، وفي ظل عنايته، فقد أطلقت أنفاسها الأولى في الدنيا في جو موحش ومظلم، لأبوين غير متدينين، بل بعيدين عن الدين مادة ومعنى، ولكن رغم ذلك، فقد كان لهما مسحة من نظرة احترام للدين، ولذلك فقد أصرّا على إرسالها إلى الكنيسة أيام الأحد، وكان هدفهما من وراء ذلك: تشربها بالمبادئ المسيحية.

ولأنها تتمتع برهافة حس، وشفافية روح، فقد كانت الحصة الدينية مفضلة على سواها في المدرسة، لدرجة أنها أكملت دراستها الجامعية في العلوم الدينية وحصلت على شهادة في ذلك من جامعة "هيل".

تزوجت روزلين من أديب بريطاني وأنجبت منه طفلين، واللافت أنه على الرغم من هذين الطفلين، ومن ثلاثة وعشرين عاماً قضَّتها مع زوجها، فإن العلاقة انتهت بالطلاق.

عند هذه النقطة تبدأ روزلين بالحديث عن نفسها، والتحول الجذري الذي طرأ على حياتها، فتقول: بعد طلاقي وجدت نفسي في قلب العاصفة، إذا لم أعمل بجدٍّ، فلن أجد ما اقتات به، ولن أتمكن من تسديد القسط الشهري للمنزل الذي يؤويني، ولذلك لجأت إلى تأجير غرفة من المنزل الذي أعيش فيه لطلاب، وكان بينهم طلبة مسلمون.

وتتابع: وعلى الرغم من أنني ــ بحكم دراستي ــ عرفت بعض الأمور عن الإسلام، فإنها كانت المرة الأولى التي أرى التطبيقات العملية للإسلام في تصرفات أولئك الطلبة الذين سكنوا في منزلي، فقد لفت نظري بقوة نمط معيشتهم، وأدبهم، وأمانتهم، وابتعادهم عن التسبب بأي أذى لغيرهم، ونتيجة لذلك نشأت بيني وبينهم أحاديث عرفت من خلالها القيم العليا والحقيقية المتعلقة بالأسرة والشرف والنزاهة، والتي تحتل أحجار زاوية في التشريعات والثقافة الإسلامية. ثم اطلعت منهم على حقيقة كنت أجهلها، وتتعلق بصلب العقيدة الإسلامية، وتتمثل في أن عيسى المسيح، عليه السلام، لم يكن في الإسلام إلا عبداً لله ورسولاً، وأدركت أن الإسلام يُثبت نبوة عيسى ورسالته، ويعظمه، وينفي عنه أي صفة تناقض صفته البشرية من كونه إلهاً أو ابنا لله، وقد رسخت هذه المعاني العميقة في داخلي شعوراً بالحاجة إلى إنجاز تحولٍ جذري في حياتي.

تضيف روزلين: هذا الشعور هو الذي أخرج الرغبة الدفينة في أحشائي بإعلان هدايتي، فطلبت من الطلاب المسلمين الاجتماع في قاعة الجلوس داخل المنزل، وأمامهم نطقت بالشهادتين، وأشهرت إسلامي، وكان شعوراً يصعب علي وصفه من حيث الغرابة والفرادة، ولكنه في نفس الوقت شعور عميق بالراحة والسرور والانشراح. في تلك اللحظات شعرت أنني عدت إلى منزلي بعد لجوء وضياع لسنين طويلة. وكان السبب في ذلك هو الدعوة الصامتة التي وجدتها في تصرفات وأعمال وأقوال الشباب المسلمين من طلبة الجامعة الذين سكنوا معي في المنزل. تحولت من المسيحية إلى الإسلام، وتحول اسمها من روزلين إلى رقية، وقد اختارت هذا الاسم للجمال الذي تستشعره في نطقه كما تقول رقية نفسها.

والآن، وبعد اعتناق الإسلام، بات لزاماً عليها أن تعتنق ثقافته كلها، وحول ذلك تقول: توجب علي الإقلاع عن شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، وكذلك أن أظهر شعائر الإسلام في مظهري بارتداء الحجاب الشرعي، وهو ما فعلته مدفوعة بقوة إيمانية كبيرة.

زواج

بعد هذا التحول الجذري في حياة رقية، بقي ينتظرها شيء وحيد، حتى تكتمل منظومة حياتها وفق الأسس الإسلامية، وذلك يعني: الزواج من رجل مسلم يحفظ عليها نفسها، ويصونها، ويوجهها لما فيه الخير لها في دينها ودنياها، وهو ما يسرته لها الأقدار، مثلما يسرت لها درب الهداية، فقد سافرت إلى باكستان لإتمام مشروع بحثي يتعلق بتأليف كتاب، وقد جمعها القدر برجل اسمه "وارث" أصبح فيما بعد زوجها، وذهب معها إلى بريطانيا كي يكون لها عوناً ورديفاً. وقبل أن تتم مراحل زواجها، دعت رقية ربها كثيراً بأن يجعل زواجها ميموناً، وأن يمنَّ الله تعالى عليها بالنجاح في حياتها المنزلية مع زوجها المسلم.

طباعة Email