حضارتنا

الطبُّ وجه مشرق في التاريخ الإسلامي

ت + ت - الحجم الطبيعي

أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة بالتداوي، موجهاً إياهم بأنه ما من داء إلا وقد وضع الله تعالى له الدواء، إلا داء الهرم. هذا الأمر مثّل القاعدة التي انطلق منها المسلمون في بناء مجدهم الطبي قبل قرون، والتي رسخوا عليها بنيانهم الحضاري في المجال الطبي. وقد تميز علماء الطب المسلمون بأنهم أصحاب قصب السبق في معرفة التخصص؛ فكان منهم: أطباء العيون، ويسمَّون (الكحالين)، والجراحون، والفاصدون (الحجامون)، وهكذا، إلى أن تحول الطب إلى وجه مشرق في تاريخ الحضارة الإسلامية.

واشتهرت حركة الترجمة والتعريب في العهد الأموي الذي أنشئت فيه المستشفيات، وبرزت شخصيات إسلامية عملاقة في ميدان علم الطب، وفي عائلة أبي الحكم الدمشقي المسيطرة على هذه المهنة في العصر الأموي.

وتسلم المسلمون في العصر العباسي الراية، فأجادوا في كل فروع الطب، وظهر أبو بكر الرازي (ت 313 هـ) الذي يُعد مبتكر خيوط الجراحة المعروفة بالقصاب، كما أنه أول من صنع مراهم الزئبق، وقدم شرحا مفصلاً لأمراض الأطفال، والنساء والولادة، والأمراض التناسلية، وجراحة العيون وأمراضها.

كما أن الرازي من رواد البحث التجريبي في العلوم الطبية، وهو الذي قرر أن المرض قد يكون وراثيًا، وأول من استطاع أن يفرّق بين النزيف الشرياني والنزيف الوريدي، وأول من وصف عملية استخراج الماء من العيون، ونصح بأن تُبنى المستشفيات بعيدًا عن أماكن تعفُّن المواد العضوية، إضافة إلى إنجازات كبيرة يضيق المقام عن حصرها.

وتطور طب العيون عند المسلمين، ولم يطاولهم فيه أحد؛ وتحولت مؤلفاتهم إلى الحجة الأولى خلال قرون طوال، بل إن عددا غير قليل من المؤلفين كادوا يعتبرون طب العيون طبًا عربيًا، ويؤكد المؤرخون أن علي بن عيسى الكحال (ت 400 هـ) كان أعظم طبيب عيون في القرون الوسطى برمتها، ومؤلفه (التذكرة) أعظم مؤلفاته.

ويبرز، كذلك، أبو القاسم الزهراوي (ت 403هـ) الذي يعد من أعظم الجراحين في التاريخ إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، فقد اخترع أولى أدوات الجراحة كالمشرط والمقص الجراحي، كما وضع الأسس والقوانين للجراحة، ويعتبر هو الواضع الأول لعلم المناظير الجراحية، وقام بالفعل بتفتيت حصوة المثانة بما يشبه المنظار في الوقت الحاضر.

ويعتبر كتاب الزهراوي: (التصريف لمن عجز عن التأليف) موسوعة طبية متكاملة لمؤسسي علم الجراحة بأوروبا.

وبرزت شخصيات إسلامية أخرى لامعة في ميدان علم الطب من أمثال ابن سينا (ت 428 هـ) الذي يسره الله له فتوحات طبية جليلة؛ فقد كان أول من اكتشف الدودة المستديرة وهي طفيل (الإنكلستوما)، وأول من وصف الالتهاب السحائي، وأول من فرّق بين الشلل الناجم عن سبب داخلي في الدماغ والشلل الناتج عن سبب خارجي، ووصف السكتة الدماغية الناتجة عن كثرة الدم، وإليه يعود الفضل في اكتشاف طرق العدوى لبعض الأمراض المعدية كالجدري والحصبة، ولهذا فإن ابن سينا أول من أرسى (علم الطفيليات) الذي يحتل مرتبة عالية في الطب الحديث؛ فقد وصف لأول مرة (التهاب السحايا الأولي) وفرّقه عن (التهاب السحايا الثانوي).

ويُظهر ابن سينا براعة كبيرة في علم الجراحة؛ فقد ذكر عدة طرق لإيقاف النزيف، سواء بالربط أو إدخال الفتائل أو بالكي بالنار أو بدواء كاوٍ، أو بضغط اللحم فوق العرق، إضافة إلى أنه كان جراحاً بارعا للغاية، وصاحب باع في مجال الأمراض التناسلية، وابتكاراته الطبية كثيرة ومتنوعة، وخبراته في أمراض النساء الدورية وطب الأسنان كانت واسعة.

سجل حافل

إن الحالات استثنائية للعبقرية الإسلامية في مجال الطب، فقد حفل سجل الأمجاد الحضارية الإسلامية بالمئات من الرواد الذين تتلمذت عليهم البشرية قرونًا طويلة، منهم ابن النفيس (ت 687 هـ) الذي صحح نظرية جالينوس القائلة بوجود ثقب بين بطيني القلب الأيمن والأيسر، ومنه اكتشف الدورة الدموية الصغرى، وقرر أن: "انتقال الدم إلى البطين الأيسر إنما هو من الرئة، بعد تسخّنه وتصعّده من البطين الأيمن.."، وينفي (ابن النفيس) أن يكون للدم مجرىً آخر؛ فهو ليس خاضعاً لأي مدٍّ أو جزر، واتجاهه واحد، وبعد تجارب عدة قدم ابن النفيس وصفًا دقيقًا للدورة الدموية الصغرى.

طباعة Email